
لم تعد التجارة الإلكترونية قصة نجاح جماعي كما يُروَّج لها، بل تحوّلت إلى نموذج اقتصادي مختل، يكرّس الاحتكار ويُعمّق الفجوة بين قلة تملك مفاتيح السوق الرقمي، وأغلبية تُستنزف حتى الخروج. الأرقام لا تجمّل الحقيقة ولا تخفيها: أقل من 1% من المنشآت الاقتصادية استحوذت على 59.5 مليار جنيه من النشاط الرقمي، بينما تُرك الباقون يتصارعون على الفُتات.
احتكار رقمي مقنّع
في قلب المشهد تقف 21 ألف منشأة فقط، تمسك بزمام 15% من إجمالي إيرادات الاقتصاد، وتفرض قواعد لعب غير عادلة. هذه ليست منافسة، بل هيمنة رقمية مكتملة الأركان، تستخدم التكنولوجيا لا لفتح السوق، بل لإغلاقه أمام من لا يملك المال والخبرة والبنية.
المنصات الكبرى لا تعمل كوسيط محايد، بل كحَكَم ولاعب في آنٍ واحد:
تحدد من يظهر، ومن يختفي، ومن يبيع، ومن يُقصى، تحت مسميات خادعة مثل «الخوارزميات» و«سياسات الاستخدام».
وهم الربح السريع
تم تسويق «البيزنس أون لاين» على أنه طريق مختصر للثراء، فاندفع آلاف الشباب وأصحاب المشروعات الصغيرة دون حماية أو تأهيل. النتيجة كانت صادمة:
إعلانات مدفوعة تلتهم الأرباح.
عمولات متصاعدة بلا سقف.
شحن ومرتجعات تبتلع رأس المال.
منافسة غير متكافئة مع كيانات تحرق الأسعار بلا خسارة.
هكذا تحوّل الحلم الرقمي إلى مصيدة اقتصادية، يدخلها الصغار بحسن نية، ويخرجون منها مثقلين بالخسائر.
من يربح فعلًا؟
الرابحون ليسوا الأذكى ولا الأكثر اجتهادًا، بل:
من يمتلك السيولة الكافية للسيطرة لا المنافسة.
من يحتكر البيانات وسلوك المستهلك.
من يدير السوق بالخوارزميات لا بالقانون.
من يستطيع الصمود حتى ينسحب الآخرون.
هؤلاء لا يبيعون منتجات، بل يشكّلون السوق على مقاسهم.
الخسارة الصامتة
الخاسر الحقيقي هو الاقتصاد نفسه:
مشروعات صغيرة تُغلق دون ضجيج.
فرص عمل تُهدر.
تركّز ثروة غير مسبوق.
سوق رقمي بلا عدالة ولا توازن.
ما يحدث ليس تطورًا طبيعيًا، بل انحراف خطير لمسار الاقتصاد الرقمي، يُعيد إنتاج الاحتكار في صورة أكثر قسوة وأقل وضوحًا.
الخطر الأكبر
استمرار هذا الوضع دون تنظيم صارم يعني:
قتل روح المبادرة.
تحويل التجارة الإلكترونية إلى نادٍ مغلق.
تعميق الفجوة الاجتماعية والاقتصادية.
اقتصاد رقمي يخدم القلة ويقصي الأغلبية.
الخلاصة القاسية
التجارة الإلكترونية في شكلها الحالي ليست قصة نجاح، بل جرس إنذار.
إما أن يتم ضبط السوق بقواعد عادلة، ودعم حقيقي للصغار، ومحاسبة للمنصات المسيطرة…
أو نترك «بيزنس الأون لاين» يتحول إلى أداة احتكار جديدة تُدار من خلف الشاشات.
الرقمنة بلا عداله







