
أكد الكاتب طراد علي سرحان الرويس أن التحولات المتسارعة التي فرضها العصر الرقمي لم تعد تقتصر على تغيير وسائل التواصل والحصول على المعلومات، بل امتدت لتؤثر في طبيعة العلاقات الإنسانية، وتشكيل الأفكار، ومحددات السلوك والقيم، مشددًا على ضرورة إعادة تشكيل البناء الفكري والنفسي والاجتماعي للإنسان بما يواكب متغيرات العصر ويحافظ على هويته وكرامته الإنسانية.
طراد علي سرحان الرويس: الهاتف الذكي أصبح نافذة لتشكيل الهوية
وقال طراد علي سرحان الرويس إن الهاتف الذكي لم يعد مجرد وسيلة للترفيه أو التواصل السريع، بل أصبح نافذة يطل منها الإنسان على العالم، ومساحة تتشكل من خلالها تجاربه وأفكاره، ومصدرًا مؤثرًا في صياغة هويته ومفاهيمه الإنسانية.
وأوضح أن المجتمعات تقف أمام تحديات متزايدة في ظل التدفق المعلوماتي والتطور التقني المتسارع، بين فرص التقدم التي تتيحها التكنولوجيا ومخاطر فقدان التوازن الروحي والاجتماعي، الأمر الذي يتطلب وعيًا قادرًا على استيعاب التحولات دون التفريط في القيم الأصيلة.
الانعزال الاجتماعي والتضليل الرقمي أبرز التحديات
وأشار الكاتب إلى أن تحديات التحول الرقمي لا تتوقف عند تعلم استخدام الأدوات الحديثة، وإنما تشمل التكيف النفسي والفكري والاجتماعي مع آثارها، لافتًا إلى أن الإفراط في التواصل الافتراضي قد يؤدي إلى تراجع التواصل الإنساني المباشر، ويضعف مشاعر التعاطف والتقارب بين الأفراد.
وأضاف أن الانفتاح الرقمي أتاح للأجيال فرصًا غير مسبوقة للوصول إلى المعرفة، لكنه في المقابل أسهم في انتشار المعلومات المضللة والمحتوى المشوه، ما يجعل التحقق من الأخبار وتنمية التفكير النقدي ضرورة لحماية الوعي وتحقيق الاستقرار النفسي والفكري.
إعادة تشكيل الإنسان تبدأ بالتعليم والتربية
وأكد طراد علي سرحان الرويس أن إعادة تشكيل الإنسان لا تعني عزله عن جذوره أو دفعه إلى الاغتراب عن هويته، بل تعني تزويده بالمهارات العقلية والاجتماعية التي تساعده على التعامل الواعي مع المتغيرات الرقمية، مع الحفاظ على بوصلته الأخلاقية وانتمائه الثقافي.
وشدد على أهمية تطوير الممارسات التعليمية والتربوية، بحيث يصبح التفكير النقدي والتحقق العلمي جزءًا أساسيًا من العملية التعليمية، بدلًا من الاكتفاء بمطالبة الأجيال الجديدة بتحمل المسؤولية دون توفير الأدوات التي تمكنها من ممارستها.
وأوضح أن الهدف ينبغي أن يكون تحويل الفضاء الرقمي إلى بيئة تدعم الحوار البنّاء، وتحترم الخصوصية والكرامة الإنسانية، وتسهم في تعزيز الانتماء ونشر المعرفة النافعة، بدلًا من أن يصبح مجالًا لترويج الشائعات أو الإساءة إلى الآخرين.
الوعي الرقمي مسؤولية الأسرة والمؤسسات التعليمية
ولفت الكاتب إلى أن مواجهة التحديات الرقمية تتطلب الاعتراف بمظاهر الخلل، وفي مقدمتها الإفراط في استخدام الشاشات، والتسرع في تداول الشائعات، وتداخل الحدود بين الواقع والعالم الافتراضي، إلى جانب تراجع مساحة الحوار الأسري المباشر.
ودعا إلى الانتقال من مرحلة الشكوى إلى العمل الفعلي، من خلال تبني المؤسسات برامج متقدمة للتوعية الرقمية، وتشجيع الأسر على تخصيص أوقات خالية من الأجهزة الإلكترونية، بما يعيد الدفء إلى العلاقات الأسرية ويعزز التواصل الإنساني.
كما أكد ضرورة تمكين الطلاب من مهارات البحث والتحليل والتفكير المستقل، حتى يصبحوا منتجين للمعرفة ومشاركين في صناعة محتوى هادف، بدلًا من الاكتفاء بالاستهلاك السلبي للمعلومات والمنشورات المتداولة.
الفجوة بين الأجيال تهدد التماسك الأسري
وحذر طراد علي سرحان الرويس من اتساع الفجوة بين الأجيال في ظل تسارع التطور التقني، موضحًا أن قدرة الشباب على مواكبة الأدوات الحديثة قد تقابلها صعوبات لدى بعض كبار السن في التكيف مع الإيقاع الرقمي المتسارع، وهو ما قد يؤثر في التواصل والتفاهم داخل الأسرة.
وأشار إلى أن مسؤولية بناء جسور التواصل بين الأجيال تقع على عاتق الأسر والمؤسسات التعليمية والجامعات والمنابر الفكرية، من خلال توظيف التكنولوجيا باعتبارها وسيلة للتقارب وتبادل الخبرات وتعزيز القيم الإنسانية المشتركة.
حماية الإنسان أولوية في مواجهة التحولات الرقمية
واختتم الكاتب طراد علي سرحان الرويس بالتأكيد على أن المواجهة الحقيقية ليست ضد التكنولوجيا ذاتها، وإنما تتعلق بكيفية إدارتها وتوجيه تأثيرها في الوعي الجمعي، بما يضمن الاستفادة من مزاياها دون التضحية بالهوية أو الحرية الفكرية أو السكينة النفسية.
وشدد على أن حماية الإنسان وتنمية قدراته الفكرية والاجتماعية يجب أن تظل أولوية في التعامل مع التحولات الكبرى، داعيًا إلى إطلاق مبادرات عملية تحقق التوازن بين متطلبات العصر الرقمي وروح المجتمعات وقيمها الأصيلة، انطلاقًا من قناعة بأن بناء الإنسان هو الاستثمار الأهم والأكثر استدامة.







