عاجلمنوعات

خواطر أحمديات: لم يأخذ الزمن أعمارنا فقط بل أخذ الذين كانوا يمنحون البيت روحه وترك لنا الجدران والذكريات والحنين

يكتبها- عميد مهندس أحمد زكي

هناك لحظات يمر بها الإنسان يظن أنها عابرة ثم يكتشف بعد سنوات أنها كانت أثمن ما امتلكه في حياته. لحظات لم تكن تحتاج إلى مال ولا إلى سفر ولا إلى رفاهية. كانت تحتاج فقط إلى بيت يجمع من نحب. إلى أم تنادي أبناءها من آخر الممر. إلى أب يعود متعبا قبل الغروب فيملأ حضوره المكان طمأنينة. إلى ضحكة طفل تقطع صمت المساء ثم تختفي كما تختفي العصافير عند الغروب. كنا نعيش تلك الأيام دون أن نتوقف لحظة واحدة لنسأل أنفسنا ماذا لو رحلت. كنا نظن أن البيوت لا تتغير وأن الوجوه التي أحببناها ستظل تنتظرنا كلما عدنا إليها. ولم نكن نعرف أن الزمن لا يسرق البيوت بل يسرق الذين كانوا يمنحونها الحياة.

لهذا لا تبكينا الصور عندما نراها. الذي يبكينا هو العمر المختبئ داخلها. فالصورة لا تحمل وجها فقط. تحمل صوتا انطفأ. وتحمل ضحكة سكنت ذاكرة المكان وتحمل رائحة خبز خرج من يد أم كانت تضع قلبها في كل ما تصنعه وتحمل رجلا عاد من عمله متعبا فاستراح قليلا قبل أن ينهض ليكمل رحلة عمره مع أسرته لذلك يقول علماء النفس إن الذاكرة لا ترتبط بالأشخاص وحدهم بل ترتبط بالمكان والصوت والرائحة والتفاصيل الصغيرة. ولهذا يكفي أن ترى زاوية في بيت قديم أو تسمع صوت ملعقة في كوب شاي حتى يعود إليك عمر كامل كنت تظن أنه انتهى حين أعود بذاكرتي إلى بيت الطفولة لا أتذكر الجدران ولا لون الطلاء ولا شكل الأثاث. أول ما أتذكره هو ذلك التلفاز القديم الذي كان يجمعنا كل مساء. لم يكن جهازا يعرض صورة وصوتا كان شاهدا على حياة كاملة كان يعرف أن أبي سيعود بعد قليل وأن أمي ستخرج من المطبخ وهي تبتسم رغم التعب وأن أحدنا سيختلف مع الآخر على القناة ثم ينتهي الخلاف قبل أن ينتهي الإعلان يومها كنا نضيق من ارتفاع الصوت ونحلم بلحظة هدوء  واليوم اكتشفنا أن ذلك الضجيج كان أجمل موسيقى عرفها البيت وأن الصمت الذي تمنيناه يوما صار أثقل من قدرتنا على احتماله. ما زال التلفاز في مكانه لكن لم يعد أحد يختلف على جهاز التحكم ولم يعد أحد يطلب رفع الصوت أو خفضه بقيت الشاشة مضيئة بينما انطفأت الحياة التي كانت تدور حولها.

ولم يكن الكرسي الذي اعتاد أبي الجلوس عليه مجرد قطعة من الخشب. كان نهاية يوم طويل وبداية شعور عميق بالأمان. ما إن يجلس عليه حتى نشعر جميعا أن الدنيا ما زالت بخير. لم يكن يتحدث كثيرا لكن حضوره وحده كان يكفي ليجعل البيت أكثر دفئا وأكثر اتساعا وأكثر طمأنينة. واليوم أنظر إلى الكرسي نفسه فأشعر أنه صار أكبر من حجمه. ليس لأنه تغير بل لأن الغياب الذي يجلس عليه صار أكبر من أن يراه أحد. لقد بقي الكرسي كما هو لكن الرجل الذي كان يمنحه قيمته أخذته الأيام ورحل تاركا خلفه مكانا لا يستطيع أحد أن يملأه.

لم يكن الحذاء الذي يستقر بجوار الباب قطعة جلد نخلعها بعد يوم عمل طويل. كان أول خبر سعيد يصل إلى البيت قبل أن يصل صاحبه. كنا نحفظ وقع خطوات أبي أكثر مما نحفظ ملامح الطريق. وما إن نسمع صوته يقترب حتى تتغير ملامح المساء كله. تترك أمي ما في يدها. ويركض أحدنا إلى الباب. ويقف الآخر ينتظر حضنا سريعا قبل أن يسأله أبي عن يومه. لم نكن نفهم وقتها لماذا كانت قلوبنا تفرح بمجرد سماع تلك الخطوات. كنا نظن أننا نفرح لأن أبي عاد. ثم كبرنا واكتشفنا أننا كنا نفرح لأن الأمان عاد. واليوم لم يعد الباب يسمع ذلك الطرق الخفيف الذي كانت تعرفه الجدران. ولم تعد الأرض تشعر بثقل تلك الخطوات التي كانت تمنح البيت حياة. بقي المكان كما هو لكن الطريق الذي كان ينتهي عند الباب أصبح طريقا لا يعود منه أحد.

ولم يكن باب غرفة أمي مجرد باب يفتح ويغلق كل صباح. كان بابا يخرج منه الحنان كل يوم. كانت تفتحه وهي تحمل الدنيا كلها في قلبها ثم تبدأ رحلتها معنا. توقظ هذا برفق. وتعاتب ذاك بابتسامة. وتدعو لهذا دون أن يسمعها. كانت تعرف وجوهنا قبل أن نستيقظ وكانت تعرف من نظرة العين من يحتاج إلى كلمة ومن يحتاج إلى حضن ومن يحتاج إلى صمت. كنا نسمع صوتها عشرات المرات في اليوم حتى ظننا أن هذا الصوت سيبقى ما بقي العمر. وربما تضايقنا أحيانا من كثرة النداء ولم نكن نعلم أن الإنسان قد يعيش بقية عمره يبحث عن كلمة واحدة من أمه فلا يجدها. يوم رحلت لم يغلق باب غرفتها فقط. أغلق باب من أبواب الطمأنينة التي لا تفتحها الأيام مرة أخرى.

ولم يكن المطبخ مكانا تقضي فيه أمي ساعاتها بين الأواني والطعام. كان القلب الذي يخفق في البيت كله. كانت النار مشتعلة لكن الذي كان يدفئنا لم يكن الطعام بل وجودها. كانت تضع في كل لقمة شيئا لا يراه أحد. شيئا لا يباع في الأسواق ولا يتعلمه الطهاة. كانت تضع خوفها علينا ودعاءها لنا وصبرها علينا وحبها الذي لم تكن تعرف كيف تقوله بالكلام فكانت تقوله بالطعام. لذلك لم يكن الخبز خبزا فقط ولم يكن الشاي شايا فقط. كانت الأشياء البسيطة تحمل طعما لا تصنعه المقادير بل تصنعه القلوب. وحين غابت بقيت الأواني في أماكنها وبقيت رائحة المكان تسكن الجدران لكن المائدة لم تعد تعرف ذلك الدفء الذي كان يجمعنا حولها دون موعد ودون سبب إلا لأن أمي كانت هناك.

كبرنا ونحن نظن أن هذه التفاصيل الصغيرة لا قيمة لها. كنا نحلم باليوم الذي نصبح فيه كبارا ونغادر البيت ونصنع حياتنا كما نشاء. ولم نكن نعلم أن الإنسان كلما تقدم به العمر عاد بقلبه إلى تلك التفاصيل التي كان يهرب منها. يعود إلى صوت الباب. وإلى رائحة المطبخ. وإلى كرسي الأب. وإلى نداء الأم. لأننا لا نشتاق إلى الماضي كما كان. نحن نشتاق إلى أنفسنا حين كنا نشعر بالأمان دون أن نسأل من أين جاء. نشتاق إلى تلك الطمأنينة التي كانت تملأ البيت حتى ظننا أنها لن تنتهي أبدا. ثم انتهت في يوم عادي لم يكن أحد يتوقع أنه سيكون بداية الغياب الطويل.

ولم تكن مقاعد المدرسة مجرد أخشاب جلسنا عليها سنوات ثم غادرناها. كانت تعرف أحلامنا الصغيرة قبل أن نعرف نحن معنى الأحلام. كانت تحفظ أسماءنا وهمساتنا وضحكاتنا ورسائلنا التي كنا نخفيها بين صفحات الكتب. كانت تشهد أول خوف من امتحان وأول فرحة بنجاح وأول صديق ظننا أنه سيبقى معنا إلى آخر العمر. كنا ننظر إلى عقارب الساعة ونتمنى أن ينتهي اليوم الدراسي بسرعة. وكنا نعد الأيام حتى نكبر ونغادر ذلك المكان. ثم كبرنا حقا. واكتشفنا أن أكثر الأيام التي استعجلنا رحيلها كانت أجمل أيام حياتنا. فالطفولة لا ترحل مرة واحدة. إنها تغادرنا في صمت. تترك مقعدا فارغا في فصل قديم وتترك حقيبة في صورة باهتة ثم تمضي دون أن تلتفت إلينا.

ولم تكن الصور المعلقة على الجدران زينة نعلقها لنملأ بها الفراغ. كانت محاولتنا الأخيرة أن نقاوم الزمن. كنا نظن أن الصورة تستطيع أن تحتفظ بكل شيء. ثم اكتشفنا أنها تحفظ الوجوه فقط. أما الضحكات فقد رحلت مع أصحابها. وأما رائحة البيت فقد ذهبت معهم. وأما الدفء الذي كان يملأ الغرف فلا تستطيع كاميرا في الدنيا أن تحتفظ به. لذلك كلما وقفنا أمام صورة قديمة لم نبك لأن ملامحها تغيرت. بكينا لأننا تذكرنا حياة كاملة كانت تدور خارج إطارها. تذكرنا أصواتا كانت تملأ البيت ثم سكتت. وتذكرنا أيادي كانت تمتد إلينا كلما تعثرنا ثم غابت. وتذكرنا أياما كنا نظن أنها عادية فإذا بها أجمل ما مر بنا في العمر كله.

ومع مرور السنوات اكتشفنا الحقيقة التي كنا نهرب منها. لم يكن الزمن يسرق أعمارنا وحدها. كان يسرق كل يوم صوتا نحبه ووجها نطمئن إليه ويدا كانت تمسك بأيدينا كلما خفنا. حتى جاء يوم وقفنا فيه داخل البيت نفسه. ننظر إلى التلفاز. وإلى كرسي الأب. وإلى باب غرفة الأم. وإلى المطبخ. وإلى الصور المعلقة على الجدران. فوجدنا أن كل شيء ما زال في مكانه. لكن الحياة التي كانت تمنح هذه الأشياء معناها رحلت في هدوء. عندها فقط فهمنا أن الإنسان لا يفقد الأشخاص مرة واحدة. بل يفقدهم كل يوم. يفقدهم كلما جلس إلى مائدة لم تعد تكتمل. وكلما فتح بابا لم يعد يخرج منه صوت أمه. وكلما مر بجوار كرسي ينتظر من لن يعود. وكلما رأى صورة تبتسم له بينما يعرف أن أصحابها لن يبتسموا له مرة أخرى إذا أردت يوما أن تعرف قيمة النعم فلا تحاول أن تعدها وهي بين يديك. عد إلى بيت طفولتك. قف أمام التلفاز الذي كان يجمعكم كل مساء. وانظر إلى الكرسي الذي كان ينتظر عودة أبي. ومرر يدك على باب الغرفة التي كانت تخرج منها أمك وهي تنادي اسمك. وادخل إلى المطبخ الذي كان يمتلئ برائحة الخبز والدعاء. ثم انظر حولك جيدا واسأل قلبك سؤالا واحدا هل اشتقت إلى البيت أم اشتقت إلى الذين كانوا يجعلون هذا المكان بيتا؟

لن يجيبك أحد ستسبقك دمعتك إلى الإجابةوعندها فقط ستفهم الحقيقة التي لا يعلمها الإنسان إلا بعد أن يمضي العمر لم يأخذ الزمن أعمارنا فقط بل أخذ الذين كانوا يمنحون البيت روحه وترك لنا الجدران والذكريات والحنين.

تحياتى ومن عندياتى،،

 

 

*قرمشة:

– أصعب البيوت سكونًا… تلك التي كانت يومًا أكثرها ضجيجًا.

– بعض الغائبين… لا يرحلون من البيت… بل يرحل البيت برحيلهم.

– الحنين… دمعة لا تسقط من العين… بل من العمر.

– هناك أسماء… كلما نطقناها… شعر القلب أنه يتيم.

– ليس أقسى من الفقد… إلا أن يبقى كل شيء بعده في مكانه… إلا من أحببناه.

إلى اللقاء،،،،

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى