عاجلمقالات

حسين محمود يكتب: لا تكتب أملاكك وأنت حي دون ضمانات.. فالقانون لا يحمي الندم

أعاد الجدل المثار حول واقعة الأب الذي وجد نفسه عاجزًا عن دخول شقته بعد أن تنازل عنها لأبنائه، فتح ملف شديد الحساسية داخل المجتمع المصري، وهو ملف التنازل عن الأملاك للأبناء دون ضمانات قانونية تحفظ كرامة الوالدين وحقوقهما.
المؤلم في الأمر أن كثيرًا من الآباء والأمهات يتعاملون مع ممتلكاتهم باعتبارها وسيلة لإثبات الحب أو لضمان استقرار الأبناء، فيتنازلون عن شققهم أو أراضيهم أو أموالهم وهم على قيد الحياة، دون إدراك أن القانون لا يحمي المشاعر، وإنما يحمي العقود والحقوق المثبتة فقط.

الحقيقة القانونية الصادمة أن الأب أو الأم إذا تنازل عن العقار تنازلًا نهائيًا أو حرر عقد هبة أو بيع وتم تسجيله بالشهر العقاري، فإن الملكية تنتقل بالكامل إلى الابن أو الابنة، ويصبح المالك الأصلي في كثير من الحالات مجرد مقيم في العقار برضا المالك الجديد، ما لم يكن قد احتفظ لنفسه بحق الانتفاع أو حق السكنى بنص واضح وصريح في العقد.
وهنا تكمن الكارثة…
فكم من أب أفنى عمره في بناء بيته، ثم وجد نفسه بعد سنوات في مواجهة نزاع أسري أو خلاف على الميراث أو حتى مطالبات بالخروج من منزله، لأنه وثق في العاطفة أكثر مما وثق في القانون.
القانون المدني المصري أعطى للإنسان الحرية الكاملة في التصرف في أمواله حال حياته، سواء بالبيع أو الهبة أو التنازل، لكن هذه الحرية لا تعني إمكانية الرجوع بسهولة بعد إتمام التصرف، خصوصًا إذا استوفى العقد شروطه القانونية وتم تسجيله. لذلك فإن الندم بعد التنازل لا يكفي وحده لاسترداد الحق، بل قد يحتاج الأمر إلى دعاوى قضائية معقدة وطويلة، وقد لا تنتهي بالنتيجة التي يتمناها صاحب العقار الأصلي.
إن أخطر خطأ يقع فيه كثير من الآباء هو التنازل الكامل عن كل ما يملكون دفعة واحدة، وكأنهم يسلمون أبناءهم مفاتيح المستقبل ويغلقون على أنفسهم أبواب الأمان.
والسؤال الذي يجب أن يطرحه كل أب على نفسه: ماذا لو تغيرت الظروف؟ ماذا لو حدث خلاف؟ ماذا لو تزوج الابن أو الابنة وتدخلت أطراف أخرى؟ ماذا لو أصبح الأب نفسه بحاجة إلى من يحميه؟
القانون وضع حلولًا واضحة، أهمها الاحتفاظ بحق الانتفاع مدى الحياة، أي أن تنتقل الملكية للأبناء بينما يبقى للأب أو الأم الحق القانوني الكامل في الإقامة بالعقار أو استغلاله حتى الوفاة، ولا يستطيع أحد حرمانه من هذا الحق طالما كان مثبتًا وموثقًا.
كما يمكن النص داخل العقد على حق السكنى وعدم جواز إخلاء الوالدين من العقار تحت أي ظرف، وهو إجراء قانوني بسيط لكنه يحمي سنوات طويلة من المعاناة والندم.
إننا لا ندعو إلى قطع الثقة بين الآباء والأبناء، ولا إلى تحويل الأسرة إلى علاقة قانونية جافة، لكن الواقع أثبت أن بعض الخلافات الأسرية أصبحت تُحسم داخل أروقة المحاكم، وأن قصص الآباء الذين فقدوا أملاكهم أو حقوقهم بعد التنازل لم تعد حالات فردية، بل أصبحت جرس إنذار يجب أن يسمعه الجميع.
فالبر الحقيقي لا يحتاج إلى نقل ملكية، والابن البار لن ينتظر توقيع عقد حتى يكرم والديه، أما من تتغير معاملته بعد انتقال الأملاك إليه، فالمشكلة ليست في القانون وحده، بل في ضمير غاب وقيم تراجعت.
لذلك أقولها بوضوح: لا تكتب كل أملاكك وأنت حي. لا تتنازل عن بيتك دون ضمان حقك في السكن والانتفاع. لا تجعل العاطفة أقوى من الحكمة.
فالقانون قد يحمي حقك إذا أحسنت التصرف، لكنه لن يحميك من قرار متسرع اتخذته بدافع الحب ثم اكتشفت متأخرًا أن الندم لا يعيد ملكية ضاعت، ولا يعيد كرامة جُرحت، ولا يعيد بيتًا خرجت منه وأنت من بنيته حجرًا فوق حجر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى