لم تعد جرائم العنف الأسري مجرد حوادث فردية عابرة، بل أصبحت ناقوس خطر يدق أبواب المجتمع كله، بعدما تحولت بعض المنازل من أماكن للسكينة والأمان إلى ساحات للخلافات والصراعات التي قد تنتهي بكارثة إنسانية.
واقعة سقوط سيدة من الطابق السابع بمنطقة كعبيش، وما تردد بشأن وجود شبهة جنائية وتورط الزوج، أعادت إلى الواجهة سؤالًا مؤلمًا: إلى أين وصلت العلاقات الأسرية حتى يصبح العنف وسيلة لحل الخلافات؟ وبينما تواصل جهات التحقيق عملها لكشف الحقيقة كاملة، يبقى المؤكد أن المجتمع أصبح مطالبًا بمواجهة هذه الظاهرة بكل حزم.
إن أخطر ما في هذه الوقائع ليس تفاصيلها فقط، بل تكرارها بصورة تدعو للقلق. فكل يوم تقريبًا نسمع عن زوجة تتعرض للعنف، أو أسرة تنهار بسبب خلافات خرجت عن حدود العقل والمنطق. ومع كل حادث جديد، تتجدد الأسئلة حول أسباب انتشار هذه الجرائم، وهل أصبح البعض يتعامل مع الحياة الإنسانية وكأنها أمر يمكن التفريط فيه تحت وطأة الغضب أو الانتقام؟
إذا ثبتت مسؤولية أي شخص عن جريمة كهذه، فإن الأمر لا يتعلق بخلاف عائلي أو مشادة عابرة، بل بجريمة تهدد أمن المجتمع بأكمله، لأن الاعتداء على النفس البشرية هو أخطر صور انهيار القيم والأخلاق. ولا يجوز تحت أي ظرف تبرير العنف أو البحث عن أعذار لمن يلجأ إليه.
القانون وضع عقوبات رادعة لكل من تسول له نفسه الاعتداء على الآخرين، لكن العقوبة وحدها لا تكفي. فهناك حاجة إلى دور أكبر للأسرة، والمؤسسات التعليمية، والإعلام، لنشر ثقافة الحوار واحترام الآخر، والتأكيد على أن الخلافات مهما بلغت حدتها لا يمكن أن تكون مبررًا للعنف.
كما أن مواقع التواصل الاجتماعي أصبحت تضخم بعض السلوكيات العدوانية، وتصور القوة على أنها فرض للسيطرة، وهو أمر بالغ الخطورة، خاصة عندما يتأثر به الشباب والأجيال الجديدة. فالقوة الحقيقية ليست في إيذاء الآخرين، وإنما في ضبط النفس واحترام القانون.
إن المجتمع الذي يصمت على العنف، أو يعتبره شأنًا خاصًا، يساهم بصورة غير مباشرة في استمرار هذه الجرائم. لذلك فإن المواجهة يجب أن تكون شاملة، تبدأ من التوعية المبكرة، وتمر بتوفير الدعم النفسي والاجتماعي للأسر التي تعاني من أزمات، وتنتهي بتطبيق القانون بحزم على كل من يثبت تورطه في أي اعتداء.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة الكاملة مسؤولية جهات التحقيق وحدها، لكن المؤكد أن كل واقعة من هذا النوع تترك جرحًا جديدًا في جسد المجتمع، وتؤكد أننا بحاجة إلى مراجعة حقيقية لقيمنا وأساليب تعاملنا داخل الأسرة، حتى لا يتحول الخلاف إلى مأساة، ولا يصبح العنف لغة يتحدث بها البعض في مواجهة أقرب الناس إليهم.







