عاجلمقالات

حسين محمود يكتب: جبروت ستات الصعيد..عندما يعلو صوت الرصاص على صوت العقل

لم تعد أخطر الجرائم في المجتمع هي تلك التي يرتكبها الخارجون على القانون فقط، بل أصبحت الصدمة الأكبر حين يتسلل العنف إلى قلب الأسرة والقرية، ويتحول الخلاف اليومي إلى معركة تستخدم فيها الأسلحة النارية، وكأن هيبة القانون اختفت، وأصبح الاحتكام للقوة هو الخيار الأول لا الأخير.

الواقعة التي شهدتها قرية نجع عزوز بمحافظة قنا، والتي تشير المعلومات الأولية إلى أنها بدأت بخلاف بين عدد من السيدات قبل أن تتطور إلى مشاجرة استخدمت فيها أسلحة نارية وأسفرت عن سقوط ضحايا ومصابين، ليست مجرد خبر جنائي عابر، بل إنذار اجتماعي شديد الخطورة يستوجب التوقف أمامه، بينما تواصل جهات التحقيق تحديد المسؤوليات وكشف جميع الملابسات.

المجتمع المصري عرف المرأة عبر تاريخه بأنها صانعة الاستقرار داخل الأسرة، وحصن الأبناء الأول، وصوت الحكمة عند اشتعال الخلافات. لكن عندما تتحول بعض النزاعات إلى مواجهات دامية، فإن القضية لا تتعلق بالنساء أو الرجال، بل بانهيار قيمة الاحتكام إلى القانون، وسيطرة الغضب والانفعال على التفكير السليم.

الأخطر أن مثل هذه الوقائع تكشف أن هناك من بات يرى في السلاح وسيلة لفرض الرأي أو تصفية الحسابات، وهو تصور بالغ الخطورة. فالرصاصة لا تحل خلافًا، وإنما تصنع مأساة جديدة، وتخلف قتيلًا أو مصابًا، وأسرة مكلومة، وأطفالًا يدفعون ثمنًا لا ذنب لهم فيه.

كما أن تكرار مشاهد العنف داخل بعض القرى يفرض مراجعة حقيقية لثقافة التعامل مع الخلافات. فمن غير المقبول أن يتحول خلاف بين جيران أو أقارب إلى ساحة إطلاق نار، أو أن تصبح العصبية والانفعال أقوى من العقل والحكمة. فكل مرة ينتصر فيها السلاح على الحوار، يخسر المجتمع جزءًا من أمنه واستقراره.

إن أخطر ما في هذه الوقائع أنها تزرع الخوف داخل المجتمع، وتمنح الأجيال الصغيرة صورة مشوهة عن كيفية حل النزاعات. فالطفل الذي يرى الخلاف يُحسم بالعنف قد يكبر وهو يعتقد أن القوة هي الطريق الأسرع للحصول على الحقوق، بينما الحقيقة أن الدولة لا تقوم إلا بسيادة القانون، وأن العدالة لا تتحقق إلا عبر المؤسسات المختصة.

ولا ينبغي أن يتحول تداول مثل هذه الحوادث على مواقع التواصل إلى مجرد مادة للإثارة أو التعليقات الساخرة، لأن خلف كل واقعة أسرة فقدت عزيزًا، ومستقبلًا تبدل، ومجتمعًا يدفع ثمن لحظة غضب. المطلوب هو قراءة أعمق للأسباب، والعمل على منع تكرارها، وليس الاكتفاء بتناقل تفاصيلها.

وفي المقابل، فإن الحسم القانوني مع كل من يثبت تورطه في استخدام السلاح أو الاعتداء على الآخرين يمثل رسالة واضحة بأن الدولة لا تسمح بتحويل الشوارع والقرى إلى ساحات لتصفية الخلافات، وأن حماية أرواح المواطنين مسؤولية لا تقبل التهاون.

إن ما حدث في نجع عزوز يجب أن يكون نقطة فاصلة في التعامل مع ظاهرة تصاعد العنف المجتمعي. فلا قيمة لأي خلاف إذا كانت نهايته دماء، ولا شرف في حمل السلاح ضد الجار أو القريب، ولا مستقبل لمجتمع يسمح للغضب بأن يهزم العقل.

ويبقى الدرس الأهم أن القانون وحده هو الفيصل، وأن قوة المجتمع لا تُقاس بعدد الأسلحة التي يحملها أفراده، بل بقدرته على حل خلافاته بالحكمة، واحترامه لهيبة الدولة، وإيمانه بأن الدم إذا أُريق فلن يعيده الندم، وأن لحظة تهور واحدة قد تدمر حياة أسر بأكملها لعقود.

إذا أردته بصياغة أكثر جرأة وحدّة، وبأسلوب أقرب إلى مقالات الرأي في الصحف القومية، يمكنني أيضًا كتابته بنبرة أقوى مع افتتاحية وخاتمة أكثر تأثيرًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى