عاجلمقالات

حسين محمود يكتب: الزواج عبر الإنترنت..حين تتحول الشاشة إلى بوابة للاستقطاب

ليست أخطر دلالة في ما نُشر عن أقوال سيرا النجا، والمتهمة في قضية منظورة، أنها تحدثت عن زواج تم عبر الإنترنت؛ الأخطر أن الزواج، وفق الرواية المنشورة، جاء في سياق أفكار متطرفة وعلاقة بمناصر لتنظيم مسلح. هنا لا تعود الحكاية مجرد ارتباط عن بُعد، بل تفتح بابًا جديًا للسؤال: كيف تتحول المنصات الرقمية من وسيلة تواصل إلى مساحة للاستقطاب وبناء علاقات مغلقة تُسوَّق باسم الدين؟

وبحسب ما أوردته تقارير صحفية عن أقوال منسوبة إليها في التحقيقات، قالت إنها تزوجت عبر الإنترنت من شخص سوري يُعرف باسم «أبو أيوب المشرفي»، كما نقلت التقارير عنها حديثًا عن تأييدها أفكارًا متشددة. وتظل هذه الأقوال، وما يتصل بالقضية، منسوبة إلى صاحبتها كما وردت في النشر، ولا تغني عن حكم قضائي نهائي يحدد المسؤولية.

المشكلة ليست في استخدام التكنولوجيا للتعارف أو التواصل بين شخصين؛ فالأدوات الرقمية محايدة في ذاتها. المشكلة تبدأ عندما تُستغل السرية وسهولة الوصول إلى الآخرين لبناء علاقة بلا تحقق كافٍ من الهوية، أو لتقديم خطاب متطرف في صورة نصح ديني، ثم دفع الطرف الآخر تدريجيًا إلى الانعزال عن أسرته ومجتمعه، وتبنّي أفكار تبرر العنف أو تمجّد التنظيمات المسلحة.

أما وصف العلاقة بأنها «زواج» فلا يحسم وحده صحتها شرعًا أو قانونًا. عقد الزواج له شروط وأحكام تتعلق بالإيجاب والقبول والشهود والولاية وفقًا للمرجعية الفقهية والقانون المنطبق، كما أن توثيق الزواج يحفظ الحقوق ويمنع إنكار العلاقة أو استغلال أحد طرفيها. لذلك لا يجوز أن تتحول كلمة «شرعي» إلى غطاء يعلّق به أي شخص علاقة مجهولة التفاصيل على الإنترنت، أو إلى بديل عن التحقق من هوية الأطراف وسلامة الإجراءات.

والأشد خطورة أن تُستخدم اللغة الدينية لتسويغ العنف أو تكفير المجتمع، أو لإضفاء شرعية على الانضمام إلى جماعات مسلحة. فالدين لا يكون ستارًا للتحريض، ولا تمنح الشعارات صاحبها حصانة من المساءلة. من يحرّض على العنف أو يموّل جماعة محظورة أو يشارك في نشاط مجرّم، تُفحص أفعاله وأدلتها أمام جهات التحقيق والقضاء، بعيدًا عن الضجيج أو الاستنتاجات المسبقة.

هذه القضية تذكير بأن مواجهة التطرف لا تبدأ عند لحظة الضبط وحدها؛ بل تبدأ أيضًا من الوعي الرقمي، ومن قدرة الأسرة على ملاحظة التحولات الحادة في السلوك، ومن خطاب ديني مسؤول يواجه الأفكار المتشددة بالحجة والمعرفة. كما تتطلب من كل منصة رقمية أن تتعامل بجدية مع المحتوى الذي يحرض على العنف أو يسعى إلى تجنيد الآخرين، ومن كل مستخدم ألا يمنح ثقته لشخص مجهول لمجرد أنه يتحدث باسم الدين أو يرفع شعارات براقة.

المطلوب نقاش مسؤول يرفض التطرف، ويحفظ في الوقت نفسه قرينة البراءة وحق المتهم في محاكمة عادلة. فالأحكام لا تصدرها العناوين، والاعترافات المنقولة صحفيًا لا تحل محل ما تثبته المحكمة؛ لكن الوقائع المنشورة، إذا صحت، تفرض سؤالًا لا يصح تجاهله: كيف نمنع استغلال الإنترنت والدين معًا لتحويل العلاقات الخاصة إلى ممر للاستقطاب والعنف؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى