لم تكن إحالة صبري نخنوخ ورفاقه إلى المحاكمة الجنائية مجرد إجراء قضائي روتيني، بل جاءت كإعلان واضح بأن الدولة ماضية في مواجهة كل من يحاول صناعة نفوذ موازٍ لسلطة القانون، أو بناء إمبراطوريات تقوم على الترهيب وفرض السيطرة واستعراض القوة.
فعلى مدار سنوات، ظل اسم المتهم يتردد في الشارع المصري مصحوبًا بحكايات عن النفوذ والعلاقات والسطوة، حتى جاءت لحظة المواجهة القانونية، لتصبح كل الوقائع والاتهامات محل نظر القضاء وحده، بعيدًا عن الأساطير التي ينسجها البعض حول الأشخاص أو محاولات صناعة صورة “الرجل الذي لا يُهزم”.
القضية المطروحة اليوم ليست شخصًا بعينه، بل نموذجًا خطيرًا يقوم على فكرة أن المال أو النفوذ يمكن أن يحل محل الدولة، وأن مجموعات من الأفراد تستطيع فرض إرادتها بالقوة أو التهديد أو الترهيب. وهنا تكمن خطورة الملف؛ فحين يشعر المواطن أن هناك من يمتلك سلطة خارج إطار القانون، فإن الثقة في العدالة تهتز، وهو ما تعمل الدولة على مواجهته بحسم.
إحالة المتهمين إلى المحاكمة تحمل رسالة قوية مفادها أن زمن الحصانات غير الرسمية قد انتهى، وأن أي شخص ـ مهما كان اسمه أو حجم نفوذه أو شبكة علاقاته ـ سيقف أمام القضاء إذا توافرت الأدلة والاتهامات التي تستوجب ذلك. فلا أحد فوق القانون، ولا مكان لمن يعتقد أن القوة تمنحه امتيازًا أو استثناءً.
والأهم من ذلك أن القضية أعادت طرح سؤال جوهري: كيف تتكون شبكات النفوذ غير الرسمية؟ وكيف يحاول البعض صناعة هيبة موازية لهيبة الدولة؟ الإجابة واضحة؛ تبدأ من استعراض القوة، ثم توسيع دوائر العلاقات، ثم محاولة فرض الأمر الواقع، لكن النهاية دائمًا تكون أمام منصة العدالة، حيث لا قيمة إلا للدليل ولا سلطان إلا للقانون.
إن المجتمع لا يحتاج إلى أبطال مزيفين يصنعون مجدهم بالخوف أو النفوذ، بل يحتاج إلى دولة قوية ومؤسسات قادرة على حماية المواطنين من أي محاولة لفرض السيطرة أو صناعة مراكز قوى خارج الشرعية.
واليوم، وبينما تبدأ المحاكمة، يترقب الجميع كلمة القضاء، فهي وحدها التي ستفصل في الاتهامات الموجهة للمتهمين. لكن الرسالة السياسية والمجتمعية وصلت بالفعل: لا أحد أكبر من الدولة، ولا أحد أقوى من القانون، ومن يحاول بناء إمبراطورية خارج الشرعية، عليه أن يدرك أن الطريق قد ينتهي من دوائر النفوذ إلى قاعات المحاكم، ومن صناعة الخوف إلى مواجهة العدالة.



