مع انطلاق ماراثون الثانوية العامة، تعيش الدولة حالة من الاستنفار الأمني غير المسبوق، في مشهد يؤكد أن حماية مستقبل الطلاب لم تعد مسؤولية وزارة التعليم وحدها، بل أصبحت قضية أمن قومي تتضافر فيها جهود أجهزة الدولة كافة، لضمان سير الامتحانات في أجواء من الانضباط والشفافية والعدالة.
ففي محيط اللجان، انتشرت القوات الأمنية بكثافة، وتم إنشاء تمركزات ثابتة ومتحركة لتأمين المدارس ومنع أي محاولات لإثارة الشغب أو الإخلال بالنظام، بينما لعبت الشرطة النسائية دورًا بارزًا داخل اللجان وخارجها، من خلال تنظيم دخول الطالبات والتعامل بحسم مع أي مخالفات أو محاولات للغش أو اصطحاب أجهزة إلكترونية محظورة.
ولم يقتصر المشهد على التأمين التقليدي فقط، بل امتد إلى الفضاء الإلكتروني، حيث شنت الأجهزة الأمنية حملات موسعة لرصد صفحات الغش الإلكتروني على مواقع التواصل الاجتماعي، وتتبع مروجي السماعات الدقيقة وأجهزة الاتصال الحديثة التي يحاول البعض استخدامها للتحايل على منظومة الامتحانات.
إن الغش لم يعد مجرد ورقة صغيرة أو إجابة يتم تمريرها خلسة، بل تحول إلى تجارة سوداء تدر ملايين الجنيهات على عصابات تستغل قلق الأسر وضغوط الامتحانات، وتروج لأجهزة متطورة يصعب اكتشافها، في محاولة لنسف مبدأ تكافؤ الفرص بين الطلاب.
ومن هنا، فإن الضربات الاستباقية التي توجهها وزارة الداخلية لهذه الشبكات تمثل رسالة واضحة وحاسمة: لا تهاون مع من يحاول العبث بمستقبل أبنائنا، ولا مكان لمن يتاجر بأحلام الطلاب أو يسعى لتحقيق مكاسب غير مشروعة على حساب المجتهدين.
كما شهدت الشوارع المحيطة باللجان انتشارًا مروريًا مكثفًا لتسهيل حركة الطلاب وأولياء الأمور، ومنع التكدسات والزحام، وهو ما يعكس حرص الدولة على توفير بيئة هادئة وآمنة تساعد الطلاب على أداء الامتحانات بعيدًا عن أي ضغوط أو معوقات.
لكن المعركة الحقيقية ليست أمنية فقط، بل هي معركة وعي وأخلاق. فهناك من لا يزال يعتقد أن النجاح يمكن شراؤه بسماعة صغيرة أو تسريب مزعوم، متناسيًا أن الغش جريمة أخلاقية قبل أن يكون مخالفة قانونية، وأن بناء الأوطان لا يتم إلا بالكفاءة والاجتهاد.
إن ما نشهده اليوم من استعدادات أمنية واسعة يؤكد أن الدولة عازمة على حماية نزاهة الثانوية العامة بكل قوة، وأن زمن الفوضى والتسريبات أصبح من الماضي، وأن الرسالة الأهم التي يجب أن تصل إلى كل طالب هي أن النجاح الحقيقي لا يأتي إلا بالاجتهاد، وأن من يسلك طريق الغش قد ينجح في امتحان، لكنه يفشل في امتحان الحياة.
وفي النهاية، تبقى الثانوية العامة محطة فارقة في حياة ملايين الأسر المصرية، ويبقى الحفاظ على نزاهتها مسؤولية مشتركة بين الدولة والأسرة والطالب، حتى يظل التفوق ثمرة للجهد، ويظل العلم هو الطريق الحقيقي لبناء المستقبل.







