
تشهد القارة الأوروبية واحدة من أكثر اللحظات حساسية في تاريخها الحديث، حيث تتزايد الدعوات إلى ما وصفه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بـ الاستيقاظ العسكري، في ظل تحولات جيوسياسية عميقة تعيد تشكيل موازين القوى العالمية.
ووفقا لتقرير نشرته صحيفة لاراثون الإسبانية فأن أوروبا لم تعد قادرة على الاعتماد الكامل على المظلة الأمنية الأمريكية، خاصة مع عودة التوترات الدولية وتصاعد نفوذ قوى كبرى مثل فلاديمير بوتين وشي جين بينج، إلى جانب الغموض الذي يحيط بالسياسات الأمريكية في حال عودة دونالد ترامب.
الإنفاق الدفاعى داخل الاتحاد الاوروبى
أحد أبرز ملامح هذا الاستيقاظ يتمثل في الزيادة الملحوظة في الإنفاق الدفاعي داخل دول الاتحاد الأوروبي، حيث بدأت عدة دول، على رأسها ألمانيا وفرنسا، فى تخصيص ميزانيات ضخمة لتحديث جيوشها، لم يعد الأمر مجرد التزام سياسي داخل حلف شمال الأطلسى، بل تحول إلى ضرورة وجودية تفرضها التحديات الأمنية المتزايدة، خاصة بعد الحرب في أوكرانيا التي كشفت هشاشة البنية الدفاعية الأوروبية.
وفي هذا السياق، تسعى أوروبا إلى بناء قدرات عسكرية مستقلة نسبيًا، عبر تطوير صناعاتها الدفاعية وتعزيز التعاون العسكري بين الدول الأعضاء. ظهرت مبادرات مشتركة لتصنيع الأسلحة، وإنشاء قوات تدخل سريع أوروبية قادرة على التحرك دون الاعتماد الكامل على الدعم الأمريكي. هذه الخطوات تعكس تحولًا استراتيجيًا من الاعتماد إلى الاعتماد الذاتي، وهو تحول لم يكن مطروحًا بقوة قبل سنوات قليلة.
الاستيقاظ العسكرى الأوروبى
لكن الاستيقاظ العسكري الأوروبي لا يقتصر فقط على زيادة عدد الجنود أو شراء الأسلحة، بل يشمل أيضًا إعادة صياغة العقيدة الدفاعية، فالقارة التي عاشت عقودًا من السلام النسبي أصبحت مطالبة اليوم بالتفكير في سيناريوهات الحرب، وتأمين حدودها الشرقية، ومواجهة التهديدات السيبرانية والهجينة التي باتت جزءًا أساسيًا من الحروب الحديثة.
روسيا والصين.. التحدى الأكبر
التحدي الأكبر أمام أوروبا يتمثل في تحقيق التوازن بين وحدتها السياسية وتباين مصالح دولها. فبينما تدفع دول شرق أوروبا نحو تشديد المواجهة مع روسيا، تميل بعض الدول الغربية إلى الحفاظ على قنوات الحوار. هذا التباين قد يعرقل مسار بناء قوة عسكرية موحدة، لكنه في الوقت نفسه يدفع نحو صياغة نموذج أوروبي جديد يجمع بين المرونة والتكامل.
من ناحية أخرى، تلعب الصناعات الدفاعية دورًا محوريًا في هذا التحول، حيث تسعى أوروبا إلى تقليل اعتمادها على السلاح الأمريكي، من خلال دعم الشركات المحلية وتطوير التكنولوجيا العسكرية، هذا التوجه لا يهدف فقط إلى تعزيز الأمن، بل أيضًا إلى تحقيق مكاسب اقتصادية واستراتيجية طويلة المدى.
فرنسا واليونان: زيادة الإنفاق الدفاعي لتعزيز أوروبا لا لمنافسة الناتو
وأكدت كل من فرنسا واليونان أن زيادة الإنفاق الدفاعي داخل الاتحاد الأوروبي لا تهدف إلى استبدال حلف شمال الأطلسي (الناتو)، بل إلى تعزيز قدرة أوروبا على حماية نفسها بشكل أفضل، في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة.
وجاء ذلك خلال لقاء جمع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ، ورئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس، حيث شدد الطرفان على أن بناء ركيزة دفاع أوروبية أقوى لا يعني التخلي عن التحالف مع الولايات المتحدة، بل دعم الشراكة داخل الناتو وتوزيع الأعباء بشكل أكثر توازنًا.
وقال ماكرون إن الدرس الأهم من التطورات الحالية هو ضرورة أن تعتمد أوروبا بشكل أقل على الآخرين في مجال الأمن والدفاع، مؤكدًا أن الهدف ليس مواجهة أي طرف، بل تعزيز الاستقلال الاستراتيجي للقارة الأوروبية.
ومن جانبه، أشار ميتسوتاكيس إلى أن واشنطن نفسها تدفع منذ سنوات نحو زيادة إنفاق أوروبا على الدفاع، معتبرًا أن هذا التوجه مبرر في إطار تعزيز المسؤولية الأوروبية داخل التحالف الغربي.
وخلال اللقاء، جدد الزعيمان التأكيد على قوة العلاقات الثنائية بين فرنسا واليونان، والتي تشمل تعاونًا عسكريًا واسعًا واتفاقيات دفاع مشترك، من بينها بند يلزم كل دولة بمساعدة الأخرى في حال التعرض لهجوم مسلح.
كما شدد الجانبان على أن التعاون الدفاعي الأوروبي يجب أن يظل متسقًا مع التزامات الناتو، وأن أي تطوير للقدرات العسكرية الأوروبية يهدف إلى تعزيز الأمن الجماعي وليس خلق بديل للتحالف الأطلسي.
واختتم اللقاء بالتأكيد على أن المرحلة الحالية تتطلب مزيدًا من التنسيق الأوروبي في مواجهة التحديات الأمنية المتزايدة، مع الحفاظ على وحدة الموقف داخل الناتو والاتحاد الأوروبي.
ولا يمكن تجاهل دور الرأي العام الأوروبي، الذي بدأ يشهد تحولًا ملحوظًا في نظرته للإنفاق العسكري. فبعد سنوات من التركيز على الرفاهية الاجتماعية، أصبح هناك إدراك متزايد بأن الأمن والدفاع يمثلان شرطًا أساسيًا للاستقرار. ومع ذلك، لا تزال هناك مخاوف من أن يؤدي هذا التحول إلى تقليص الإنفاق على قطاعات حيوية مثل الصحة والتعليم.
ويبدو أن أوروبا تقف أمام مفترق طرق حقيقي، إما أن تنجح في التحول إلى قوة عسكرية وسياسية مستقلة قادرة على حماية مصالحها، أو تظل رهينة لتقلبات القوى الكبرى، الاستيقاظ العسكري لم يعد خيارًا، بل أصبح ضرورة تفرضها طبيعة العالم الجديد، حيث لا مكان للضعفاء في معادلة القوة.







