عاجلمقالات

حسين محمود يكتب: سقوط الوحش

في عملية تُدرّس، وتبقى علامة فارقة في تاريخ الحرب على المخدرات، قادت الإدارة العامة لمكافحة المخدرات والأسلحة والذخيرة بقيادة اللواء محمد زهير ضربة غير مسبوقة أطاحت بأخطر شبكة تهريب دولية، وأسقطت «ماكينة الإجرام» التي كانت تتولى ضخ السموم في السوق المصري والعربي، في واحدة من أوسع المداهمات وأكثرها تعقيدًا خلال السنوات الأخيرة.

بداية القصة.. خيط ضعيف قاد إلى «الإمبراطورية السرية»

بدأت تفاصيل العملية قبل أشهر، عندما التقطت أجهزة التحريات معلومة «باهتة» عن تحركات غير معتادة لعدة عناصر جنائية معروفة بعلاقاتها بشبكات دولية تتخصص في تهريب الكبتاجون والبودرة المخدرة.

لم تُهمل المعلومة، بل تحولت إلى عملية رصد دقيقة شاركت فيها فرق متخصصة في المتابعة الإلكترونية، والتعقب الميداني، وتحليل الاتصالات، حتى تكشفت ملامح شبكة خطيرة تعمل بنظام معقد يمتد عبر ثلاث دول، وتستهدف القاهرة كنقطة مرور رئيسية لشحنات ضخمة من المواد المخدرة.

ومع تزايد خطورة المعلومات، استدعى اللواء محمد زهير القيادات المختصة، وأصدر تعليماته بحصار الشبكة من كل الاتجاهات، قائلاً في اجتماع مغلق:

«مش هنسيب فتحة هروب واحدة.. الليلة دي لازم تبقى النهاية».

«طاحونة البودرة».. المعمل الذي لا ينام

كشفت التحريات أن الشبكة تدير معملًا سريًا على أطراف القاهرة، يضم معدات طحن، وتصنيع، وتغليف متطورة تعمل بنظام ورديات 24 ساعة، لإنتاج وتعبئة شحنات الكبتاجون والبودرة.

كان المكان يعمل كـ«العمود الفقري» للإمبراطورية الإجرامية، وبمجرد تأكد الداخلية من دوره المحوري، بدأ التخطيط لاقتحامه باعتباره ضربة الرأس.

تم تكليف قوة خاصة مدربة على اقتحام المواقع عالية الخطورة، وبدأت مراقبة دؤوبة للمكان رصدت دخول سيارات نصف نقل تحمل مواد خام، وخروج سيارات فارهة تحمل قيادات الشبكة.

الليلة الحاسمة.. عندما تكلمت أقدام الرجال

في ليلة سُجلت داخل غرفة العمليات بوزارة الداخلية كـ«الليلة البيضاء»، تحركت 12 مأمورية في توقيت واحد، في خطة أشرف عليها اللواء محمد زهير لحظة بلحظة.

وقبل الاقتحام بدقائق، صدرت التعليمات النهائية:

«محدش يطلق طلقة إلا للدفاع.. عايزينهم كلهم وتحريز كل جرعة».

ومع إعطاء الإشارة، كانت أبواب «طاحونة البودرة» تُنزع من مفاصلها، وأفراد الشبكة يسقطون واحدًا تلو الآخر وسط حالة من الفزع، بعدما أدركوا أن لحظة النهاية قد جاءت.

المضبوطات.. رقم صادم يكتب بمداد أسود في سجل الإجرام

أسفرت الضربة الكبرى عن ضبط:

900 ألف قرص كبتاجون مُجهّز للتوزيع.

200 كيلو جرام بودرة مخدرة عالية النقاء.

أجهزة كبس وتحضير وخلط لا تُستخدم إلا داخل المصانع الكبرى.

هواتف وأجهزة اتصالات مشفرة.

مبالغ مالية ضخمة بالدولار والعملة المحلية.

القيمة الإجمالية للمضبوطات تجاوزت 2.7 مليار جنيه، وهو رقم كفيل وحده بإسقاط شبكات، لا شبكة واحدة فقط.

مصدر أمني وصف العملية قائلاً:

«دى أكبر شحنة يسقطها القطاع فى سنوات طويلة.. ضربة هزت المنطقة بالكامل».

اللواء محمد زهير.. مدرسة في الحسم الأمني

العملية لم تكن مجرد مداهمة، بل كانت ترجمة لفلسفة اللواء محمد زهير في مكافحة المخدرات، التي تقوم على:

الضربات الاستباقية قبل وصول الشحنات لمرحلة التوزيع.

تجفيف منابع التمويل وإسقاط الممولين قبل التجار.

تفكيك الهياكل الدولية وليس مجرد ضبط أفراد.

التحقيقات المتوازية التي تكشف شبكات مرتبطة عبر الحدود.

وخلال الأسبوعين الماضيين فقط، تجاوزت قيمة ما ضبطته الإدارة من مخدرات وأسلحة مليارين ونصف المليار جنيه، ما يعكس حجم العمل والعرق الذي يبذله رجال الإدارة ليلًا ونهارًا.

الرسالة.. دولة لا تساوم على أمنها

الضربة التاريخية حملت رسالة واضحة لتجار الظلام:

لا ملاذ لكم.. ولا حصانة مع الدولة المصرية.

وزارة الداخلية، بقيادة رجالها الشرفاء، تثبت يومًا بعد يوم أنها تقف على خط النار دون تردد، وأن كل محاولة لتهريب أو تصنيع أو توزيع المخدرات ستواجه برد أقوى من الرصاص نفسه.

«سقوط الوحش» ليس مجرد عنوان لعملية ناجحة، بل بداية فصل جديد في حرب لا تعرف التراجع…

حرب يقودها رجال اختاروا أن تكون حياتهم ثمنًا لأمان الوطن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى