
مع بدء العام الدراسي الجديد، تتجه أنظار كثير من الأمهات والآباء نحو الحقائب والزي المدرسي والكتب… لكن هناك جانبًا لا يقل أهمية، وقد لا يحظى بالاهتمام الكافي، وهو: كيف نحمي أبناءنا من العدوى المتكررة التي تنتشر بسرعة في البيئة المدرسية من خلال التوعية الصحية ورفع مناعتهم؟
فالمدرسة، رغم كونها بيئة تعليمية واجتماعية ضرورية لنمو الطفل، هي في الوقت نفسه بيئة خصبة لانتقال الميكروبات؛ إذ يجتمع فيها عشرات بل مئات الأطفال في مساحات مغلقة، يتشاركون الأدوات والألعاب والمقاعد، طوال ساعات اليوم، وهذا ما يفسر ارتفاع معدلات الإصابة بنزلات البرد والإنفلونزا واضطرابات الجهاز الهضمي في الأسابيع الأولى من كل عام دراسي.
واجابت أسماء عبدالمحسن رمضان باحث في قسم التغذية وعلوم الأغذية معهد بحوث الصناعات الغذائية والتغذية عن عدد من التساؤلات حول الأغذية ودورها فى رفع مناعة أطفال المدارس
لماذا تنتشر العدوى بسهولة في المدارس؟
عادات الأطفال: كثرة لمس الوجه، ومشاركة الطعام والأدوات، وضعف الالتزام بغسل اليدين بالطريقة الصحيحة.
جهاز مناعي غير مكتمل: خاصة لدى الأطفال الأصغر سنًا، ما يجعلهم أكثر عرضة للعدوى مقارنة بالبالغين.
خطوات عملية للوقاية
معظم حالات العدوى المدرسية يمكن تقليلها بشكل كبير من خلال عادات بسيطة ومستمرة، أهمها:
- 1. غسل اليدين بالطريقة الصحيحة
التوعية بغسل اليدين بالماء والصابون لمدة لا تقل عن عشرين ثانية، خاصة بعد استخدام الحمام وقبل تناول الطعام وبعد العطس أو السعال، تُعد من أكثر الإجراءات إثباتًا فاعلية في خفض معدلات العدوى.
المعقمات الكحولية بديل جيد عند عدم توفر الماء والصابون، لكنها لا تغني عنه.
- 2. آداب السعال والعطس
تعليم الطفل تغطية فمه وأنفه بمنديل أو غيره عند السعال أو العطس، وليس بيده، يقلل بشكل ملحوظ من انتشار الرذاذ التنفسي المحمّل بالميكروبات على الأسطح المشتركة.
- 3. عدم إرسال الطفل المريض إلى المدرسة
وهو من أكثر الأسباب شيوعًا لانتشار العدوى بين الأطفال؛ فالحرارة المرتفعة أو القيء أو الإسهال أو السعال الشديد تستدعي بقاء الطفل في المنزل حتى تخف الأعراض، حماية له ولزملائه.
- 4. تحديث التطعيمات
مراجعة السجل التطعيمي للطفل قبل بدء العام الدراسي، بالتنسيق مع طبيب الأطفال، خطوة أساسية للوقاية من أمراض معدية عديدة وخطيرة تنتشر بسهولة في التجمعات المدرسية.
- 5. تعقيم الأدوات الشخصية بانتظام
تنظيف الحقيبة وزجاجة المياه وعلبة الطعام دوريًا، وتجنّب مشاركة أدوات الأكل والشرب مع الزملاء.
دور التغذية في دعم مناعة الطفل
تجدر الإشارة إلى أن الوقاية من العدوى لا تقتصر على النظافة الظاهرية فحسب، بل ترتبط بشكل وثيق بصحة الجهاز المناعي والعادات الغذائية اليومية للطفل. فحوالي سبعين بالمائة من خلايا الجهاز المناعي تتمركز في الأمعاء، ما يجعل ما يتناوله الطفل يوميًا عاملًا مباشرًا في قوة استجابته المناعية، وليس مجرد مصدر للطاقة والنمو.
الميكروبيوم المعوي: خط الدفاع الأول
يحتوي الجهاز الهضمي على تريليونات من الميكروبات النافعة التي تُعرف مجتمعة باسم “الميكروبيوم المعوي”. هذا المجتمع الميكروبي لا يتعايش مع الجسم فحسب، بل يشارك بفاعلية في:
– تدريب الخلايا المناعية على التمييز بين الميكروبات النافعة والممرضة، والاستجابة بشكل متوازن دون إفراط أو تراخٍ.
– تعزيز الحاجز المعوي، وهو الطبقة التي تمنع دخول الميكروبات الضارة والسموم إلى مجرى الدم.
– إنتاج مركبات مفيدة، مثل الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة الناتجة عن تخمّر الألياف، والتي تغذي خلايا الأمعاء وتقلل الالتهاب.
وعندما يختل توازن هذا الميكروبيوم، لأسباب منها سوء التغذية أو الاستخدام المفرط للمضادات الحيوية، تضعف قدرة الجسم على مقاومة العدوى، ويصبح الطفل أكثر عرضة للإصابة المتكررة.
عناصر غذائية هامة للطفل
الألياف القابلة للتخمّر (البريبايوتك): موجودة في الخضروات كالثوم والبصل والكراث، والفواكه، والبقوليات، والحبوب الكاملة. تُعد الغذاء الأساسي للبكتيريا النافعة، وتحفّز إنتاج مركبات تدعم الحاجز المناعي المعوي.
الأطعمة المخمرة (البروبايوتك الطبيعي): مثل الزبادي الطبيعي واللبن الرائب والمخللات المنزلية، تضيف سلالات بكتيرية نافعة مباشرة إلى الأمعاء، وقد ارتبط تناولها المنتظم في بعض الدراسات بانخفاض عدد أيام المرض التنفسي لدى الأطفال.
فيتامين د: يلعب دورًا مهمًا في تنظيم الاستجابة المناعية، ونقصه شائع لدى الأطفال خاصة مع قلة التعرض لأشعة الشمس في أيام الدراسة الطويلة؛ لذا يُنصح بمتابعته مع الطبيب عند الحاجة.
الزنك: يوجد في اللحوم والبيض والبقوليات والمكسرات، وهو عنصر أساسي لنمو الخلايا المناعية ووظيفتها؛ ونقصه ولو الطفيف قد يطيل فترة نوبات البرد.
فيتامين ج ومضادات الأكسدة: المتوفرة في الحمضيات والفلفل الملون والتوت، تساعد على حماية خلايا الجهاز المناعي من التلف وتدعم عملها بكفاءة.
البروتين الكافي: ضروري لبناء الأجسام المضادة والخلايا المناعية؛ لذا يُفضّل ألا تخلو أي وجبة رئيسية من مصدر بروتيني (بيض، لبن، أسماك، بقوليات).
ماذا نتجنّب؟
في المقابل، تشير الدراسات إلى أن الإفراط في السكريات المضافة والأطعمة فائقة المعالجة قد يُحدث اختلالًا في تركيبة الميكروبيوم المعوي لصالح سلالات أقل فائدة، إضافة إلى تأثيره السلبي المباشر على كفاءة بعض خلايا المناعة لساعات بعد تناوله. لذلك يُنصح بتقليل الوجبات الخفيفة المصنعة والمشروبات المحلاة، خاصة في وجبة الإفطار التي تسبق يومًا مدرسيًا كاملًا.
ولا يكتمل الأمر دون النوم
تجدر الإشارة إلى أن التغذية الجيدة تعمل جنبًا إلى جنب مع عوامل أخرى، أبرزها النوم الكافي والمنتظم؛ فقلة النوم تُضعف الاستجابة المناعية بشكل مباشر وتقلل فعالية بعض الخلايا الدفاعية، حتى لو كانت التغذية سليمة.
كلمة أخيرة لأولياء الأمور
الوقاية من العدوى في المدرسة ليست مسؤولية طرف واحد، بل ثمرة تعاون بين الأسرة والمدرسة والطفل نفسه. وأبسط العادات – غسل اليدين، تغطية الفم عند السعال، تناول غذاء متوازن، والنوم الكافي – قد تبدو تفاصيل صغيرة، لكنها في مجموعها تُحدث فرقًا حقيقيًا في عدد أيام المرض التي يقضيها الطفل بعيدًا عن مقعده الدراسي.
مع بداية كل عام دراسي جديد، تستحق هذه العادات أن تكون جزءًا من “قائمة التجهيزات” تمامًا كالحقيبة والكتب، فالصحة الجيدة هي الأساس الذي يُبنى عليه أي تحصيل دراسي ناجح.







