لم تعد القضية مجرد فتاة ترقص أمام كاميرا هاتف، ولا مقطع عابر يبحث عن بضعة آلاف من المشاهدات. ما نشهده اليوم يطرح سؤالًا أخطر: هل تحولت بعض منصات التواصل الاجتماعي إلى سوق تُباع فيه الإثارة، وتُشترى فيه المشاهدة، ويصبح تجاوز الحدود أقصر طريق إلى الشهرة والمال؟
وقائع متلاحقة خلال ساعات قليلة أعادت السؤال بقوة. صانعات محتوى يتم ضبطهن في القاهرة والجيزة على خلفية نشر مقاطع رقص بملابس وُصفت بأنها خادشة للحياء، وبين المضبوطات أجنبيتان، بينما تتكرر في الوقائع المنشورة عبارة شديدة الدلالة: زيادة نسب المشاهدات وتحقيق أرباح مالية.
هنا لا نتحدث عن واقعة منفردة بقدر ما نتحدث عن ظاهرة تستحق التوقف أمامها.
عندما تصبح المشاهدة «فلوسًا»
المعادلة التي صنعتها بعض منصات التواصل أصبحت واضحة: مشاهدات أكثر تعني انتشارًا أكبر، والانتشار قد يعني متابعين وهدايا وإعلانات وأرباحًا.
والمشكلة تبدأ عندما يكتشف البعض أن المحتوى العادي لا يحقق الرقم المطلوب بالسرعة نفسها، فيبدأ سباق الإثارة: ملابس أكثر جرأة، رقص أكثر استفزازًا، عناوين أكثر صدمة، بث مباشر أكثر إثارة للجدل.
وهكذا يتحول السؤال من: ماذا سأقدم للجمهور؟ إلى: ماذا أفعل حتى لا يغلق الجمهور الفيديو؟
وهنا مكمن الخطر.
فإذا كان تجاوز الحدود يرفع المشاهدات، والمشاهدات تحقق المال، فإننا أمام نموذج اقتصادي رقمي قد يكافئ أحيانًا الأكثر إثارة للجدل، لا الأكثر موهبة أو قيمة.
يوم واحد.. والرسالة أخطر من الأرقام
بحسب الوقائع المنشورة، جرى ضبط ثلاث صانعات محتوى في واقعتين بالقاهرة والجيزة، بينهن أجنبيتان، بعد رصد مقاطع رقص بملابس وُصفت بأنها خادشة للحياء. كما ذكرت التقارير أنهن أقررن بنشر المقاطع بهدف زيادة نسب المشاهدة وتحقيق أرباح مالية، فيما عُثر – وفق ما نشر – مع إحدى الأجنبيتين على أقراص مخدرة وأقرت بحيازتها بقصد التعاطي.
وفي واقعة أخرى منشورة في 15 سبتمبر، أعلنت الأجهزة الأمنية ضبط صانعة محتوى على خلفية مقاطع رقص مماثلة.
الأهم من عدد الوقائع هو تكرار الدافع ذاته: المشاهدة والربح.
وهذا يعني أننا بحاجة إلى النظر إلى المسألة باعتبارها أكبر من مجرد مطاردة فيديو بعد انتشاره؛ نحن أمام صناعة كاملة اسمها «اقتصاد الانتباه»، وكل ثانية يقضيها المشاهد أمام الشاشة لها قيمة مالية.
هل أصبح «الترويج للدعارة» وسيلة للربح؟
يجب أن نكون دقيقين هنا.
لا يجوز أن نصف كل فيديو رقص خادش أو كل ظهور مثير بأنه «ترويج للدعارة»، لأن الدعارة والتحريض أو التسهيل لها أو الإعلان عنها أو استغلالها أو غير ذلك من الجرائم أوصاف قانونية محددة، وإثباتها من اختصاص جهات التحقيق والمحاكم.
لكن من حق المجتمع والصحافة أن يطرحا السؤال الأوسع:
إلى أين يمكن أن يصل سباق الإثارة مقابل المال؟
هل تبدأ المسألة برقصة لجذب المشاهدات، ثم تتحول إلى بث أكثر جرأة، ثم إلى رسائل خاصة وطلبات ودعم مالي وعلاقات خارج المنصة؟
الإجابة لا ينبغي افتراضها في حق أي متهمة بعينها؛ بل يجب أن تأتي من التحريات والفحص الفني وتتبع النشاط المالي والرقمي متى توافرت شبهة قانونية تبرر ذلك.
المشكلة ليست في «الرقص» وحده
اختزال الظاهرة كلها في الرقص خطأ.
المشكلة الحقيقية هي تسليع الجسد والإثارة والفضيحة من أجل المشاهدة.
فاليوم قد يكون المحتوى رقصة، وغدًا ألفاظًا وإيحاءات، وبعد غدٍ افتعال مشاجرة أو فضيحة أو كشف خصوصيات الآخرين؛ لأن الخوارزمية في النهاية لا تسأل صاحب المحتوى عن رسالته، وإنما تكافئ ما يجذب الانتباه والتفاعل.
وهنا يظهر أخطر تحول: أن تصبح الفضيحة «بيزنس»، وأن يتحول الجدل إلى رأس مال.
الضربة الأمنية وحدها لا تكفي
جهود الإدارة العامة لحماية الآداب والأجهزة المختصة في رصد الوقائع واتخاذ الإجراءات القانونية تمثل جانبًا مهمًا من المواجهة، لكن المواجهة الأمنية وحدها لن تنهي الظاهرة.
المطلوب كذلك رفع الوعي، ومسؤولية أكبر من المنصات، ورصد الحسابات التي تحول المخالفات إلى نشاط ربحي منظم، مع التفرقة الصارمة بين المحتوى المختلف أو الجريء وبين المحتوى الذي يثبت أنه يشكل جريمة وفق القانون.
كما أن تتبع مصادر الأرباح في الحالات التي تستدعي ذلك قد يكون أكثر أهمية من مجرد حذف الفيديو؛ لأن فهم نموذج الربح هو الطريق لفهم سبب تكرار الظاهرة.
لا تجعلوا الفضيحة مهنة
أخطر ما يمكن أن نصل إليه أن تنشأ أجيال ترى أن سنوات التعليم والعمل وبناء الموهبة طريق طويل، بينما هاتف محمول ومقطع مثير قد يصنعان الشهرة في ساعات.
عندها تصبح الرسالة الموجهة للشباب مدمرة: كلما أثرت الجدل أكثر، ربحت أكثر.
وهذه ليست معركة ضد المرأة، وليست حربًا على حرية شخصية أو على الفن، وإنما معركة ضد تحويل تجاوز القانون – متى ثبت – إلى نموذج تجاري مربح.
وفي النهاية، السؤال الذي يجب أن يشغلنا ليس فقط: كم صانعة محتوى تم ضبطها اليوم؟
بل: لماذا أصبح بعض الناس مستعدين لتجاوز كل الخطوط من أجل رقم المشاهدات؟ ومن المستفيد ماليًا من هذا السباق؟
لأن القضية إذا بقيت عند حدود ضبط حساب وإغلاق صفحة، فسوف يظهر غدًا عشرة حسابات جديدة.
أما إذا ضُربت المعادلة نفسها: الإثارة المخالفة = مشاهدات = أموال، فهنا فقط تبدأ المواجهة الحقيقية.







