عاجلمقالات

حسين محمود يكتب: لا حصانة خلف الشاشة.. مواجهة حاسمة لتجارة الإساءة

لم تعد بعض الحسابات تبحث عن فكرة تستحق المشاهدة؛ إنها تبحث عن مشهد يصدم الناس، أو لفظ يثير غضبهم، أو بث مباشر يشعل التعليقات. ثم يأتي الحساب البارد: كم مشاهدة حقق المقطع؟ وكم متابعًا جديدًا وصل؟ وكم ربحًا جلبت الضجة؟ هنا لا نتحدث عن إبداع، بل عن تحويل الإساءة إلى وسيلة للكسب.

في مواجهة هذا المشهد، تؤدي الإدارة العامة لمكافحة جرائم تقنية المعلومات دورًا بالغ الأهمية. فكل بلاغ عن محتوى يُشتبه في مخالفته للقانون يحتاج إلى فحص دقيق، وكل حساب قد يخفي وراء اسمه المستعار شخصًا أو أكثر، وكل مقطع منتشر قد يكون جزءًا من نشاط متكرر هدفه جذب الجمهور والأرباح. ولهذا تتطلب المواجهة عملًا متواصلًا يجمع الأدلة الرقمية ويحدد المسؤولية عن النشر، تمهيدًا لاتخاذ الإجراءات القانونية وعرض الوقائع على جهات التحقيق.

والرسالة يجب أن تكون واضحة: حذف الفيديو لا يمحو الواقعة، والاسم المستعار لا يمنح صاحبه حصانة. من يظن أنه يستطيع الإساءة ثم الاختباء خلف شاشة هاتف يخطئ فهم طبيعة العمل في مكافحة الجرائم الإلكترونية. لكن الحسم الحقيقي لا يُقاس بضجيج القبض أو قسوة العنوان الصحفي؛ بل بسلامة الدليل، ودقة التحقيق، وقدرة الجهات المختصة على إثبات ما يُنسب إلى كل متهم أمام القضاء.

الأخطر أن بعض صانعي هذا المحتوى باتوا يتعاملون مع الغضب العام بوصفه إعلانًا مجانيًا. ينشر أحدهم مقطعًا مستفزًا، فيتهافت الناس على تداوله لإدانته، فتزداد مشاهداته ويكبر حسابه. وبعد أيام يعود بما هو أشد إساءة، لأنه وجد من يكافئه بالتفاعل. لقد صار الاستنكار نفسه، في بعض الأحيان، جزءًا من ماكينة الربح.

لذلك فإن دعم جهود الإدارة العامة لمكافحة جرائم تقنية المعلومات يبدأ ببلاغات واضحة وأدلة محفوظة، لا بإعادة نشر المقاطع المسيئة على نطاق أوسع. وعلى المنصات أن تتحمل مسؤوليتها في التعامل مع الحسابات التي تتعمد تكرار المخالفات والسعي إلى الربح منها. أما الأسرة والمدرسة ووسائل الإعلام، فعليها أن تشرح للشباب أن الشهرة السريعة قد تنتهي بمساءلة قانونية، وأن عدد المشاهدات لا يحول الإساءة إلى إنجاز.

نحتاج إلى حزم يوقف المخالفات، وعدالة تميز بين الاتهام والإدانة. فحرية التعبير حق يجب حمايته، لكنها لا تمنح أحدًا ترخيصًا بارتكاب جريمة. ومع استمرار الجهد في مكافحة الجرائم الإلكترونية، ينبغي أن تصل الرسالة إلى كل من يراهن على الفضيحة: الترند قد يستمر ساعات، أما المسؤولية عما نُشر فقد تبقى سنوات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى