عاجلمقالات

حسين محمود يكتب: حملة تضليل.. كيف تُصنع الفوضى الرقمية

في زمنٍ تسبق فيه سرعة النشر سرعةَ التحقق، لم تعد الصورة المتداولة مجرد مشهد يثير الفضول؛ فقد تتحول إلى شرارة تُشعل الغضب، ووسيلة تُمرَّر عبرها رواية مضللة، ومحاولة لفرض انطباع على الرأي العام قبل ظهور الحقيقة كاملة. صورة بلا مصدر، وتعليق جازم، وهاشتاج يتكرر بكثافة؛ عناصر قد تُستخدم لصناعة موجة تبدو عفوية، بينما تُدفع في اتجاه محدد.
وتبرز خطورة هذا الأسلوب حين توظف منصات وحسابات مرتبطة بجماعة الإخوان الإرهابية، وفق ما يطرحه هذا الملف، الصور المتداولة واللجان الإلكترونية لتضخيم ادعاءات غير موثقة، وإعادة تدوير مشاهد قديمة أو مبتورة، ثم تقديمها باعتبارها دليلًا على رواية جاهزة. هنا لا تكون المشكلة في صورة وحدها، بل في حملة تستهدف تشكيل الانطباع، وإرباك النقاش، ودفع الناس إلى تبني موقف قبل أن يعرفوا حقيقة ما يشاهدونه.
تبدأ الحملة غالبًا بمحتوى يثير الانفعال: لقطة صادمة، أو مقطع قصير، أو عنوان يعلن نتيجة قبل عرض الوقائع. ثم يأتي دور الحسابات التي تعيد النشر وتكرر الوسم وتستدعي التعليقات الغاضبة، حتى يبدو الادعاء وكأنه حقيقة متفق عليها. لكن تكرار المنشور لا يصنع دليلًا، وكثرة الحسابات لا تثبت صحة الرواية، والهاشتاج الصاخب لا يغني عن سؤال واحد: أين المصدر؟ وما السياق الكامل؟
إن اجتزاء الصورة من زمانها ومكانها، أو إخفاء ما سبقها وما تلاها، ليس خطأً عابرًا حين يُستخدم عمدًا لتوجيه الجمهور؛ إنه تلاعب بوعي الناس، واستغلال لثقتهم وسرعة تفاعلهم. والنتيجة قد تتجاوز الجدل الإلكتروني إلى تشويه أشخاص، أو إثارة البلبلة، أو زعزعة الثقة في المؤسسات، أو تحويل واقعة غير مؤكدة إلى أزمة واسعة قبل أن تتضح ملابساتها.
ولا يصح أن يُواجَه هذا التضليل بتضليل مضاد، أو باتهامات مرسلة لكل من يختلف في الرأي. الحزم الحقيقي يبدأ من التمسك بالدليل، ومطالبة ناشر الادعاء بمصدره، ورفض تداول ما لا يمكن التثبت منه. فحرية التعبير لا تمنح أحدًا حق اختلاق الوقائع أو اقتطاع الصور لتضليل الجمهور، كما أن النقد المسؤول لا يُبنى على منشور مجهول ولا على وسم متصدر.
وتقع على وسائل الإعلام مسؤولية مهنية مباشرة: ألا تحوّل التفاعل إلى مصدر للخبر، وألا تنشر صورة قبل فحص أصلها وتاريخها وسياقها، وأن تميّز بوضوح بين المعلومة المؤكدة والادعاء المتداول. كما أن وعي المستخدم هو خط الدفاع الأول؛ فلا مشاركة قبل التحقق، ولا حكم قبل اكتمال الصورة، ولا انسياق وراء موجة تُقاس قوتها بعدد مرات النشر.
الصورة قد تجذب الانتباه، والهاشتاج قد يرفع الصوت، واللجان الإلكترونية قد تضخم الصدى؛ لكن لا شيء من ذلك يحوّل الادعاء إلى حقيقة. أمام حملات التضليل، يصبح التثبت موقفًا مسؤولًا، ومقاومة الشائعة واجبًا، وحماية الرأي العام تبدأ برفض أن يُقاد بالغضب إلى استنتاج لم تثبته الوقائع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى