لم يعد الانفصال بين الزوجين مجرد نهاية لعلاقة فاشلة، بل أصبح في كثير من الحالات بداية لمعاناة جديدة يدفع ثمنها الأطفال. مع كل حالة طلاق، يُغلق باب، لكن ما لا يجب أن يُغلق أبدًا هو باب العائلة. غير أن الواقع يكشف أن أطفالًا كثيرين يُحرمون من رؤية عائلة الأب بالكامل، وكأن الانفصال شمل الجميع، لا الزوجين فقط.
في ظل بعض النصوص الجامدة أو سوء تطبيقها، يتحول الطفل إلى ضحية صامتة. يُنتزع من حضن جدته، ويُبعد عن عمته، ويُحرم من دفء عائلة كانت تمثل له الأمان والاحتواء. هذا الحرمان لا يراه البعض جريمة، لكنه في الحقيقة نزيف نفسي طويل الأمد، يترك أثره في تكوين الطفل وسلوكه.
الطفل الذي يُحرم من عائلته الممتدة لا يفقد أشخاصًا فقط، بل يفقد جزءًا من هويته. يكبر وهو يشعر بأن هناك شيئًا ناقصًا، فراغًا لا يُفسَّر بسهولة. ومع الوقت، قد يتحول هذا الفراغ إلى مشكلات نفسية وسلوكية، تبدأ بالانطواء والقلق، وقد تنتهي بالتمرد أو البحث عن بدائل خاطئة، مثل رفقة السوء أو الانجراف نحو سلوكيات خطرة.
وفي المقابل، هناك مشهد آخر لا يقل ألمًا: أجداد يقفون عاجزين أمام نصوص لا تعترف بحقهم في رؤية أحفادهم. جدة تنتظر لحظة احتضان، وعمّة تشتاق لضحكة طفل، لكن الأبواب مغلقة، والقانون صامت. أي عدالة هذه التي تفصل الدم عن الدم؟ وأي منطق يقبل أن يُقطع حبل المودة بهذه القسوة؟
القضية هنا لا تتعلق بانحياز لطرف على حساب الآخر، بل تتعلق بحق الطفل في أن ينشأ داخل شبكة عائلية متكاملة. من حقه أن يعرف جذوره، وأن يعيش بين أهله من الجانبين، لا أن يُختزل في طرف واحد فقط. فالعائلة ليست رفاهية، بل ضرورة نفسية وتربوية لا يمكن تعويضها.
إن استمرار هذا الوضع يهدد بصناعة أجيال تعاني من خلل في التوازن النفسي والاجتماعي. أطفال بلا امتداد عائلي حقيقي، يكبرون وهم يحملون داخلهم مشاعر فقد وحرمان، قد تنعكس لاحقًا على المجتمع بأسره.
الحل ليس معقدًا، لكنه يحتاج إلى إرادة. إعادة النظر في آليات الرؤية، وتوسيعها لتشمل العائلة الممتدة، أصبح أمرًا ملحًا. كما أن الوعي المجتمعي يجب أن يتغير، ليدرك الجميع أن الخلافات بين الكبار لا يجب أن تتحول إلى عقاب للصغار.
في النهاية، الطفل ليس طرفًا في معركة، فلا تجعلوه ضحيتها. امنحوه حقه الطبيعي في عائلة كاملة، فربما يكون هذا أبسط حق… لكنه الأهم.







