هناك فارق كبير بين أن تتحول المحكمة إلى مؤسسة رقمية، وبين أن تتحول العدالة نفسها إلى تجربة إلكترونية ناجحة. فالأولى تتحقق بشراء الأجهزة وإطلاق المنصات، أما الثانية فلا تتحقق إلا عندما يخرج المواطن والمحامي من المحكمة وقد أنجز حقه دون تعطيل أو ارتباك أو انتظار بسبب عطل تقني.
لقد دخلت المحاكم المصرية مرحلة جديدة عنوانها “التحول الرقمي”، وهي خطوة ضرورية فرضها تطور الدولة الحديثة، لكن التطبيق كشف حقيقة لا يمكن تجاهلها: التكنولوجيا وحدها لا تصنع العدالة، وإذا لم تُدعَّم ببنية تحتية قوية وإدارة مرنة وكوادر مؤهلة، فإنها قد تتحول من وسيلة لتيسير التقاضي إلى عقبة إضافية في طريقه.
المحامي اليوم لا يخوض معركة قانونية فقط، بل يخوض معركة أخرى مع بطء الشبكات، وتعطل الأنظمة، وتأخر تسجيل الدعاوى، وتوقف بعض الخدمات الإلكترونية في أكثر الأوقات ازدحامًا. ساعات طويلة قد تضيع بسبب رسالة على الشاشة تفيد بأن الخدمة غير متاحة، بينما يقف أصحاب الحقوق في انتظار أن يعود “السيستم” إلى العمل.
الأخطر أن العدالة لا تعرف زر “إعادة التشغيل”. فكل دقيقة يتوقف فيها النظام قد تعني تأجيل قضايا، وتعطيل مصالح، وزيادة الأعباء على المتقاضين، وإرباكًا لعمل المحاكم. ولهذا فإن نجاح مشروع المحاكم الذكية لا يقاس بعدد الخدمات التي تم رقمنتها، بل بقدرتها على العمل دون انقطاع، وبثقة المتعاملين معها.
ومن زاوية أخرى، يرى عدد من المحامين أن الميكنة صاحبتها أعباء مالية جديدة، إذ أصبحت بعض الإجراءات ترتبط برسوم إلكترونية متعددة، إلى جانب تكاليف الخدمات التقنية، بما يفرض أعباء إضافية على المتقاضين، خاصة في الدعاوى محدودة القيمة. وإذا كانت الرقمنة تهدف إلى التيسير، فمن الضروري ألا تتحول إلى مصدر جديد للتكلفة.
كما أن بعض الإشكالات لا ترتبط بالتقنية وحدها، بل بالإدارة. فغياب الدعم الفني السريع، وضعف التدريب في بعض المواقع، وعدم وجود خطط بديلة عند تعطل الأنظمة، كلها عوامل تجعل التكنولوجيا تبدو وكأنها المشكلة، بينما الخلل الحقيقي يكمن في منظومة التشغيل.
ولا ينبغي أن يُفهم هذا النقد على أنه رفض للتحول الرقمي، بل على العكس؛ فالمحاكم الذكية تمثل مستقبل العدالة، لكنها تحتاج إلى مراجعة مستمرة وشجاعة في الاعتراف بالمشكلات ومعالجتها. فالمشروعات الكبرى لا تنجح بالشعارات، وإنما بقياس الأداء وتصحيح الأخطاء.
روشتة النجاح ليست معقدة، لكنها تتطلب قرارًا واضحًا:
تحديث دائم للبنية التحتية والخوادم لضمان استقرار الخدمة.
إنشاء فرق دعم فني تتدخل فورًا عند الأعطال داخل المحاكم.
توفير مسار بديل لاستكمال الإجراءات إذا تعطل النظام الإلكتروني.
إعادة تقييم الرسوم المرتبطة بالخدمات الرقمية حتى لا تصبح عبئًا على المتقاضين.
تدريب مستمر للعاملين والمحامين على الأنظمة الجديدة.
قياس جودة الخدمة من خلال مؤشرات معلنة، مثل زمن إنجاز المعاملات ومعدلات الأعطال ورضا المستخدمين.
إن الدولة استثمرت كثيرًا في تحديث منظومة العدالة، وهذه الاستثمارات تستحق أن تؤتي ثمارها كاملة. لكن الثمرة الحقيقية لن تكون في شاشات أحدث أو برامج أكثر تعقيدًا، بل في أن يشعر المواطن بأن حقه أصبح يصل إليه أسرع، وأن المحامي أصبح يقضي وقته في الدفاع عن موكله، لا في انتظار عودة النظام إلى العمل.
فالعدالة الناجزة ليست شعارًا تقنيًا، وإنما التزام يومي



