«اللايف» يتحول عند البعض إلى ماكينة أموال.. إثارة وفضائح وهدايا رقمية بحثًا عن الملايين.. ومكافحة جرائم تقنية المعلومات تلاحق ما يتجاوز حدود القانون
لم تعد كل «فضيحة» على مواقع التواصل مجرد تصرف عابر أو لحظة طيش أمام كاميرا الهاتف.
هناك نموذج أكثر خطورة يستحق أن نتوقف أمامه: الفضيحة أصبحت لدى البعض مشروعًا للاستثمار في المشاهدات.
افتح الكاميرا.. اصنع الجدل.. اجذب آلاف المتابعين.. ارفع سقف الإثارة.. انتظر الهدايا والدعم.. ثم كرر التجربة بصورة أكثر صدمة.
إنه ما يمكن أن نسميه: «اقتصاد العُري والفضيحة».
ليس المقصود محاكمة ملابس الناس أو أجسادهم، وإنما الحديث عن نمط متعمد من صناعة المحتوى يقوم على استغلال الإثارة والإيحاء والصدمة والمشاجرات والفضائح كوسائل لجذب الجمهور وتحويل انتباهه إلى مشاهدات ومتابعين وهدايا وأرباح.
«ادعمني وأنا أعمل لايف»
هنا توجد الحلقة الأخطر.
البث المباشر لم يعد عند البعض مجرد وسيلة للتواصل مع الجمهور؛ بل أصبح وسيلة لجمع الهدايا الرقمية والدعم وتحقيق الدخل.
وكلما ارتفع عدد الموجودين داخل البث، ارتفعت قيمة الحساب وفرص تحقيق المكاسب.
إذن كيف يحتفظ صاحب البث بالمشاهد؟
البعض يقدم موهبة أو معلومة أو ترفيهًا حقيقيًا.
لكن آخرين اختاروا الطريق الأسهل: الإثارة.
ملابس أكثر جرأة، إيحاءات أكثر، خلاف مفتعل، مشادة على الهواء، تفاصيل خاصة، تحديات مثيرة للجدل، أو لقطة يعرف صاحبها مسبقًا أنها ستنتشر خارج البث نفسه.
وهكذا تتحول الفضيحة إلى إعلان.
الدعم والهدايا.. أين تذهب الأموال؟
القضية التي تستحق الدراسة ليست المحتوى وحده، وإنما اقتصاد المحتوى.
عندما يتحول البث المباشر إلى مصدر دخل، يصبح السؤال مشروعًا: ما حجم الأموال التي تدور في هذا النشاط؟ وكيف تتحول الهدايا الرقمية إلى عائد مالي؟ وهل توجد حالات تستخدم وسائل غير مشروعة لتحقيق أرباح أو الترويج لأنشطة أخرى؟
الإجابة لا تكون بالاتهام العام.
بل بالفحص والتحقيق وتتبع الأدلة عندما توجد شبهة قانونية.
وهنا تحديدًا تظهر أهمية العمل الفني للأجهزة المختصة.
الفضيحة أصبحت «بيزنس»
المشكلة أن صاحب المحتوى المثير قد لا يخجل من الهجوم عليه.
بل ربما ينتظره.
لأن كل منشور يهاجمه قد يجلب إليه متابعين جددًا، وكل إعادة نشر لمقطعه تمنحه جمهورًا إضافيًا.
حتى الغاضب منه قد يعمل ـ دون أن يقصد ـ لحسابه.
الفضيحة أصبحت بيزنسًا، والغضب أصبح إعلانًا، والمشاهدة أصبحت عملة.
وهنا تكمن خطورة الظاهرة.
من يربح معركة «الترند»؟
المنافسة لم تعد دائمًا: من الأفضل؟
بل أصبحت أحيانًا: من الأكثر صدمة؟
اليوم لقطة مثيرة.
غدًا بث أكثر جرأة.
بعده خلاف مفتعل.
ثم فضيحة جديدة.
لأن صاحب الحساب الذي بنى شهرته على الصدمة يقع في مأزق دائم: عليه أن يصنع صدمة أكبر حتى يحافظ على الجمهور.
وبذلك ندخل دائرة لا تنتهي من التصعيد.
مباحث الإنترنت.. مواجهة مختلفة تمامًا
وسط هذا العالم شديد السرعة، يأتي الدور المهم لـالإدارة العامة لمكافحة جرائم تقنية المعلومات.
فالعمل هنا لا يقوم على الغضب من مقطع أو إصدار حكم أخلاقي على صاحبه، وإنما على الفحص الفني وجمع الأدلة الرقمية والتحقق من الحسابات وربط النشاط الإلكتروني بالأشخاص المسؤولين عنه، واتخاذ الإجراءات القانونية متى توافرت شبهة جريمة وفق القانون وتحت إشراف جهات التحقيق المختصة.
هذه معركة تحتاج إلى دقة شديدة.
لأن الدليل هنا إلكتروني.
وقد يُحذف المحتوى.
وقد يتغير اسم الحساب.
وقد يعاد نشر المقطع من عشرات الحسابات.
وقد تكون هناك حسابات وهمية.
ومع ذلك تبقى التكنولوجيا نفسها التي يستخدمها مرتكب الجريمة المحتملة جزءًا من الطريق للوصول إلى الأدلة الرقمية.
لا عقوبة بسبب «الترند»
وهنا يجب وضع خط أحمر مهم للغاية.
ليس كل فيديو مستفز جريمة، وليس كل ملابس مثيرة للجدل جريمة، وليس كل شخص يرفضه المجتمع مذنبًا أمام القانون.
الدولة لا تحاسب الناس لأن فيديو أغضب الجمهور.
المحاسبة القانونية تستلزم وجود فعل يدخل تحت نص تجريمي، وأدلة وتحقيقًا، ثم تكون الكلمة النهائية للقضاء.
وهذا تحديدًا ما يفرق بين دولة القانون ومحاكم السوشيال ميديا.
اضربوا «اقتصاد الفضيحة» في نقطة قوته
المواجهة الأمنية وحدها لا تكفي.
المنصات تتحمل مسؤولية.
والإعلام يتحمل مسؤولية.
والأسرة تتحمل مسؤولية.
لكن الجمهور أيضًا يمتلك سلاحًا شديد القوة: عدم منح المحتوى المصنوع للصدمة ما يبحث عنه من انتشار.
قبل أن تعيد نشر مقطع وتكتب فوقه «شوفوا الفضيحة»، تذكر أنك قد تكون قد منحت صاحبه ألف مشاهدة جديدة.
وقبل أن تدخل بثًا فقط لتشتم صاحبه، تذكر أنك أصبحت رقمًا جديدًا في عداد المشاهدين.
نحن أحيانًا نصنع بأيدينا مشاهير ثم نسأل: كيف أصبح هؤلاء مشاهير؟
الشهرة ليست حصانة.. والشاشة ليست خارج القانون
جهود مكافحة جرائم تقنية المعلومات أصبحت ضرورة في مجتمع انتقل جزء كبير من حياته إلى الهاتف.
لكن المعركة القادمة تحتاج إلى ما هو أبعد من ضبط حساب هنا أو التحقيق في فيديو هناك.
نحتاج إلى مواجهة ثقافة تقول للشباب إن الطريق إلى المال يبدأ من فضيحة.
نحتاج إلى إعادة الاعتبار للمحتوى الذي يقدم قيمة.
ونحتاج إلى أن يعرف الجميع أن الشهرة ليست حصانة، وعدد المتابعين لا يضع صاحبه فوق القانون، والهاتف المحمول ليس منطقة مستقلة عن الدولة.
الخطر الحقيقي ليس في فيديو واحد.
الخطر أن يتحول الأمر إلى صناعة كاملة:
جسد لجذب الانتباه.. فضيحة لصناعة الترند.. ترند لجمع المشاهدات.. مشاهدات لجلب الدعم.. ودعم يتحول إلى أموال.
وعندما تصبح هذه هي المعادلة، فنحن لم نعد أمام «محتوى تافه» فقط.
نحن أمام اقتصاد للفضيحة يحتاج إلى وعي مجتمعي، ومسؤولية من المنصات، وتطبيق دقيق للقانون، وعمل تقني لا ينام.
من حقك أن تبحث عن الشهرة.. لكن ليس من حق أحد أن يتصور أن ملايين المشاهدات تمنحه حصانة من القانون.
فالترند قد يستمر ساعات.. أما الدليل الرقمي فقد يبقى أطول كثيرًا







