عاجلمقالات

حسين محمود يكتب: إمبراطوريات الوهم الإلكتروني صفحات تصطاد أحلام المواطنين وتغتال الثقة من خلف الشاشات

لم يعد الخطر الذي يهدد المجتمع يقتصر على عصابات الشارع أو شبكات النصب التقليدية، بل ظهر نوع جديد من المتاجرة بالأزمات، يتخفى خلف الشاشات والهواتف المحمولة، ويستغل سرعة انتشار المعلومات على مواقع التواصل الاجتماعي. فبينما يبحث المواطن عن فرصة عمل، أو علاج، أو مساعدة، أو معلومة صحيحة، قد يجد نفسه أمام صفحات مجهولة الهوية تبيع الوهم، وتغذي الشائعات، وتسعى إلى تحقيق الشهرة أو الربح أو الاحتيال على حساب معاناة الناس.
إن أخطر ما في هذه الصفحات أنها تتسلح بثقة المواطنين. فهي تستخدم عناوين صادمة، وصورًا مؤثرة، ومنشورات مصاغة بعناية لإقناع المتابع بأن ما يقرأه حقيقة لا تقبل الشك. وما إن تنتشر الأكذوبة حتى تصبح كالنار في الهشيم، تاركة خلفها ضحايا فقدوا أموالهم، أو تعرضوا للخداع، أو وقعوا فريسة للابتزاز أو سرقة البيانات.
وفي كل أزمة، تظهر حسابات تسابق الزمن لاستغلال الموقف، فتروج لوظائف غير حقيقية، أو مساعدات وهمية، أو حملات تبرع غير موثقة، أو استثمارات خيالية، أو منتجات لا وجود لها. وبعضها يعتمد على تضخيم الأخبار أو اجتزائها من سياقها لجذب ملايين المشاهدات، دون اكتراث بما قد يسببه ذلك من بلبلة أو خسائر أو انهيار في ثقة المجتمع بالمصادر الموثوقة.
هذه الممارسات، إذا تضمنت احتيالًا أو انتحالًا أو نشرًا متعمدًا لمعلومات مضللة بالمخالفة للقانون، لا تمثل مجرد تجاوزات أخلاقية، بل قد تدخل في نطاق الجرائم التي يعاقب عليها القانون، لأنها تمس أمن المجتمع الرقمي وتستهدف أموال المواطنين وبياناتهم وثقتهم.
ولذلك، فإن المواجهة لا تحتمل التراخي. المطلوب هو تطبيق القانون بحزم على كل من يثبت تورطه في استغلال المواطنين عبر الفضاء الإلكتروني، مع تكثيف جهود الرصد والتحقيق، وإغلاق الصفحات المخالفة وفق الإجراءات القانونية، وعدم السماح بتحويل منصات التواصل إلى ساحات مفتوحة للخداع والاحتيال.
وفي المقابل، تقع مسؤولية كبيرة على عاتق المستخدمين. فلا يجوز مشاركة أي منشور قبل التحقق من مصدره، أو تحويل أموال إلى حسابات مجهولة، أو الإفصاح عن البيانات الشخصية استجابة لإعلانات مغرية أو وعود غير موثقة. فالثقة أصبحت هدفًا ثمينًا يسعى المحتالون إلى سرقته قبل الأموال.
إن حماية المجتمع في العصر الرقمي لم تعد مسؤولية جهة واحدة، بل مسؤولية مشتركة بين أجهزة إنفاذ القانون، والمؤسسات الإعلامية، ومنصات التواصل، وكل مواطن يدرك أن ضغطة زر قد تنشر الحقيقة، وقد تفتح الباب أيضًا أمام شائعة أو عملية احتيال جديدة.
إن معركة الوعي لا تقل أهمية عن معركة تطبيق القانون. وكلما ارتفع وعي المواطنين، ضاقت المساحة أمام مروجي الوهم، وأصبحت صفحات التضليل أقل قدرة على استغلال الأزمات وتحويل معاناة الناس إلى وسيلة للربح أو الشهرة. فالمجتمع الذي يتحرى الحقيقة قبل النشر، ويثق في المصادر الرسمية، هو مجتمع أكثر قدرة على حماية نفسه من سماسرة الوهم الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى