
في إطار الجهود القانونية التي تتبناها مؤسسة نضال للمحاماة والحقوق لدعم تطوير السياسات العقابية الحديثة، يبرز نظام استبدال عقوبة الحبس البسيط بالعمل للمنفعة العامة كأحد أهم صور العدالة الإصلاحية التي تسعى إلى تحقيق التوازن بين حق المجتمع في العقاب، وحق المحكوم عليه في فرصة جديدة للإصلاح والاندماج داخل المجتمع بعيدًا عن الآثار السلبية للسجن قصير المدة.
فلسنوات طويلة، ارتبط تنفيذ العقوبات السالبة للحرية بفكرة الردع التقليدي القائم على الإيداع داخل السجون، إلا أن التطور التشريعي الحديث اتجه إلى البحث عن بدائل أكثر فاعلية في الجرائم البسيطة، خاصة تلك التي لا يمثل مرتكبوها خطرًا إجراميًا جسيمًا، بما يحقق الغاية من العقوبة دون تحميل الدولة أو المحكوم عليه آثارًا اجتماعية واقتصادية قد تكون أشد من الجريمة ذاتها.
وفي هذا الإطار، جاء القرار بقانون رقم 49 لسنة 2014 بتعديل بعض أحكام قانوني العقوبات والإجراءات الجنائية، ليقر لأول مرة بصورة واضحة حق المحكوم عليه بالحبس البسيط لمدة لا تجاوز ستة أشهر في طلب استبدال تنفيذ العقوبة بالعمل خارج السجن.
فنصت الفقرة الثانية من المادة 18 من قانون العقوبات على أحقية كل محكوم عليه بالحبس البسيط لمدة لا تتجاوز ستة أشهر في أن يطلب تشغيله خارج السجن بدلًا من تنفيذ العقوبة السالبة للحرية، ما لم ينص الحكم على حرمانه من هذا الخيار. كما أكدت المادة 479 من قانون الإجراءات الجنائية ذات المبدأ، وربطت تنفيذ هذا النظام بالضوابط والإجراءات المنظمة لأداء العمل خارج مراكز الإصلاح والتأهيل.
ولم يتوقف المشرع عند هذا الحد، بل أعاد التأكيد على هذا الاتجاه في قانون الإجراءات الجنائية الصادر بالقانون رقم 172 لسنة 2025، حيث نصت المادة 452 على جواز تقدم المحكوم عليه بطلب إلى النيابة العامة لاستبدال عقوبة الحبس البسيط بأداء عمل للمنفعة العامة خارج مركز الإصلاح والتأهيل، وفقًا للضوابط القانونية المقررة.
ويكشف هذا التطور التشريعي عن تحول حقيقي في فلسفة العقاب داخل السياسة الجنائية المصرية، من مجرد العقوبة المقيدة للحرية إلى عقوبة ذات بعد إصلاحي واجتماعي، تهدف إلى إعادة تأهيل المحكوم عليه وربطه بالمجتمع بدلًا من عزله عنه.
ويُطبق هذا النظام في الجرائم البسيطة التي تصدر فيها أحكام بالحبس البسيط لمدة لا تجاوز ستة أشهر، مثل بعض قضايا التبديد والنفقات وإتلاف الممتلكات وسرقة التيار الكهربائي وغيرها من الجنح محدودة الخطورة، وذلك بشرط ألا يكون الحكم قد نص صراحة على حرمان المحكوم عليه من هذا الحق.
ويتم تنفيذ العقوبة من خلال تشغيل المحكوم عليه في أعمال للمنفعة العامة داخل الجهات الحكومية أو الوحدات المحلية أو بعض المؤسسات الخدمية، لساعات محددة يوميًا، على أن يعود إلى منزله بعد انتهاء ساعات العمل، وهو ما يسمح له بالاستمرار في حياته الأسرية والاجتماعية وعدم فقدان مصدر رزقه.
كما ألزم القانون الجهات المختصة بتنظيم سجلات ودفاتر لمتابعة تنفيذ العقوبة، وإثبات مواعيد الحضور والانصراف ومدى التزام المحكوم عليه بالعمل المكلف به، مع تقرير جزاء يتمثل في إلغاء الاستبدال وإعادة تنفيذ الحبس حال امتناعه عن أداء العمل دون عذر مقبول.
ومن الضوابط المهمة التي حرص عليها المشرع، ألا يتم تشغيل المحكوم عليه خارج نطاق محل إقامته، وأن تكون طبيعة العمل مناسبة لحالته الصحية وقدرته البدنية، بما لا يجاوز حدودًا إنسانية معقولة.
ويحقق هذا النظام العديد من الأهداف المهمة، أبرزها تخفيف التكدس داخل مراكز الإصلاح والتأهيل، وتقليل الآثار النفسية والاجتماعية للسجن قصير المدة، فضلًا عن الاستفادة من طاقة المحكوم عليهم في أعمال تخدم المجتمع بدلًا من تعطيلها داخل أماكن الاحتجاز.
كما يعزز هذا الاتجاه مفهوم العدالة الإصلاحية، التي لا تكتفي بمعاقبة الجاني، وإنما تسعى إلى إعادة دمجه داخل المجتمع ومنحه فرصة حقيقية للإصلاح، خاصة في الجرائم غير الجسيمة التي قد يكون الحبس فيها سببًا في زيادة الانحراف بدلًا من الحد منه.
ويؤكد المشرع من خلال هذه النصوص أن الغاية من العقوبة ليست الانتقام، وإنما تحقيق الردع والإصلاح معًا، بما يتوافق مع التطورات الحديثة في السياسة الجنائية وحقوق الإنسان، ويعكس توجهًا نحو نظام عقابي أكثر مرونة وإنسانية وقدرة على تحقيق المصلحة العامة







