عاجلمقالات

المستشار أحمد إبراهيم يكتب: اختلاف العقوبة في وقائع السب والقذف بوسائل التواصل الاجتماعي

في ظل التحولات الرقمية المتسارعة، لم تعد جرائم السب والقذف مجرد وقائع تقليدية تُرتكب في نطاق ضيق، بل أصبحت تمتد إلى فضاء إلكتروني واسع، تتضاعف فيه آثار الكلمة وتتسارع وتيرة انتشارها. وهنا تؤكد مؤسسة نضال للحقوق والحريات أن خطورة هذه الجرائم لا تكمن فقط في مضمونها، بل في قدرتها على الوصول إلى عدد غير محدود من الأشخاص خلال لحظات، بما يترتب عليه أضرار جسيمة تمس السمعة والحياة الخاصة.

 

وقد حرص المشرّع المصري على مواجهة هذه الظاهرة من خلال إطار قانوني يجمع بين أحكام قانون العقوبات وقانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات، واضعًا حدودًا فاصلة بين حرية التعبير وحق الأفراد في صون كرامتهم.

 

ويُميز القانون بين جريمتي السب والقذف؛ فالقذف يتحقق بإسناد واقعة محددة من شأنها النيل من شرف المجني عليه أو اعتباره، بينما يقتصر السب على توجيه عبارات تحمل إهانة أو خدشًا للكرامة دون إسناد واقعة بعينها. ويترتب على هذا التمييز اختلاف في العقوبة، حيث قد تصل عقوبة القذف إلى الحبس، في حين يُعاقب على السب بالغرامة، مع إمكانية تشديد العقوبة في حالات معينة.

 

وفي هذا الإطار، نصت المادة 308 من قانون العقوبات على تشديد العقوبة إذا تضمن الفعل طعنًا في الأعراض أو خدشًا لسمعة العائلات، لتصل العقوبة إلى الحبس والغرامة معًا. كما أكدت المادة 308 مكرر ذات الاتجاه، إذ شددت العقوبة إذا تم ارتكاب الجريمة بطريق النشر أو وسائل الإعلام، وهو ما ينطبق على النشر عبر الإنترنت.

 

ومع تطور وسائل الاتصال، جاء قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018 ليواكب هذه المستجدات، حيث جرّمت المادة 25 الاعتداء على القيم الأسرية أو التشهير بالغير عبر الشبكة المعلوماتية، بعقوبات تشمل الحبس والغرامة. كما عاقبت المادة 26 على إساءة استخدام البيانات الشخصية وربطها بمحتوى منافٍ للآداب العامة.

 

ولا يقتصر الأمر على السب والقذف، بل يمتد إلى صور أخرى من الاعتداء، مثل التهديد والإزعاج عبر الوسائل الإلكترونية. فقد تناولت المادة 327 من قانون العقوبات جريمة التهديد، خاصة إذا ارتبطت بإفشاء أمور مخدشة بالشرف، بينما نصت المادة 166 مكرر على معاقبة من يتعمد إزعاج الغير بإساءة استعمال وسائل الاتصال.

 

وتبرز خطورة هذه الجرائم في كونها تُرتكب في بيئة رقمية تتيح سرعة الانتشار وصعوبة السيطرة على المحتوى، الأمر الذي يجعل من الضرر الناتج عنها مضاعفًا مقارنة بالوسائل التقليدية. فمجرد منشور أو تعليق قد يتحول إلى وسيلة تشهير واسعة النطاق يصعب محو آثارها.

 

ولتوضيح ذلك، إذا قام أحد الأشخاص بنشر اتهام عبر إحدى منصات التواصل الاجتماعي ينسب فيه إلى آخر واقعة تمس شرفه دون دليل، فإن هذا الفعل يُعد قذفًا يُعاقب عليه القانون، مع تشديد العقوبة لوقوعه بطريق النشر. أما إذا اقتصر الأمر على عبارات تحمل إهانة أو سخرية، فإنه يندرج تحت جريمة السب، دون أن يفلت من نطاق المساءلة القانونية.

 

وفي ضوء ذلك، يتضح أن المشرّع لم يترك الفضاء الإلكتروني خارج نطاق الحماية القانونية، بل أخضعه لنفس القواعد التي تحكم العلاقات داخل المجتمع، مع تشديد يتناسب مع طبيعة هذه الوسائل وخطورتها. ومن ثم، يبقى الالتزام بضوابط القانون واحترام خصوصية الآخرين هو الضمان الحقيقي لعدم الانزلاق إلى دائرة التجريم، في عالم أصبحت فيه الكلمة مسؤولية قبل أن تكون مجرد تعبير

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى