
تحوّلت أزمة المطربة رحمة محسن من حالة جدل على مواقع التواصل الاجتماعي إلى اختبار قاسٍ لهيبة القانون ودور النقابات والرقابة، بعد تداول مقاطع منسوبة إليها وُصفت على نطاق واسع بأنها خادشة للحياء العام، دون إعلان عن تحقيق، أو بيان رسمي، أو إجراء احترازي، ثم المفاجأة الأكبر: الظهور في عمل درامي خلال شهر رمضان.
الصمت هنا جريمة معنوية
القضية لم تعد مرتبطة بمقاطع متداولة بقدر ما ارتبطت بـالصمت المؤسسي.
فحين تتداول وقائع تمس الذوق العام، يصبح واجبًا — لا خيارًا — تفعيل القانون، أو على الأقل مخاطبة الرأي العام بشفافية. ما حدث هو العكس تمامًا: لا مساءلة معلنة، ولا توضيح، ولا محاسبة.
القوانين موجودة.. فمن عطّلها؟
القانون المصري لا يترك فراغًا في مثل هذه الوقائع:
أولًا: قانون العقوبات
المادة 278 من قانون العقوبات تُجرّم كل فعل علني خادش للحياء، سواء بالقول أو الفعل أو الإشارة، وتقرر عقوبات بالحبس أو الغرامة.
ويُعد النشر أو الإتاحة للجمهور ظرفًا مشددًا حال ثبوت الواقعة.
ثانيًا: قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018
المادتان 25 و26 تُجرّمان الاعتداء على القيم الأسرية للمجتمع المصري، ونشر أو إعادة نشر محتوى خادش عبر وسائل تقنية المعلومات، بعقوبات تصل إلى الحبس والغرامة.
القانون لا يشترط أن يكون النشر مباشرًا من الشخص ذاته، بل يمتد للمشاركة أو الإتاحة أو الاستفادة من الانتشار.
ثالثًا: قانون الرقابة على المصنفات الفنية رقم 430 لسنة 1955
يمنح الدولة الحق الكامل في منع أو تقييد أو مساءلة أي محتوى أو مشاركة فنية تُخالف النظام العام أو الآداب.
ويُحمّل المسؤولية لكل من شارك أو سهّل أو وافق على العرض.
رابعًا: قانون النقابات الفنية رقم 35 لسنة 1978
يُلزم النقابات بحماية القيم الفنية والأخلاقية، ويمنحها سلطة المنع أو الإيقاف أو المساءلة التأديبية حال الإضرار بسمعة المهنة أو الذوق العام.
الصمت هنا يُعد تفريطًا في الاختصاص.
خامسًا: قانون الطفل رقم 12 لسنة 1996
يفرض حماية خاصة للأطفال من أي محتوى قد يضر بالقيم أو السلوك أو التكوين النفسي.
ويكتسب ذلك خطورة مضاعفة عند العرض في شهر رمضان حيث ترتفع نسب المشاهدة العائلية.
موافقة بلا معايير.. وقرار بلا تفسير
موافقة نقيب المهن التمثيلية على الظهور، دون إعلان حيثيات أو توضيح قانوني، اعتبرها كثيرون تحديًا صريحًا للرأي العام، ورسالة خاطئة مفادها أن “القانون يُعلّق” إذا كان الاسم “تريند”.
وهنا يثور السؤال الأخطر:
هل تُدار الساحة الفنية بمنطق القانون أم بمنطق المشاهدات؟
رمضان ليس موسم تجارب
دراما رمضان ليست مساحة مفتوحة لتدوير الجدل أو إعادة تقديم أسماء ارتبطت بأزمات لم تُحسم.
رمضان مسؤولية، وأي تهاون في معايير الاختيار يُعد إخلالًا بحق المجتمع، وخصوصًا الأطفال.
الخلاصة الحاسمة
ما جرى مع رحمة محسن ليس أزمة فرد، بل فضيحة منظومة:
قوانين قائمة لا تُفعّل.
نقابات تلتزم الصمت.
رقابة غائبة أو مُغيّبة.
ودراما تُدار بمنطق “التريند”.
إذا كان القانون لا يُطبّق، فليُقال ذلك صراحة.
وإذا كانت القيم لم تعد معيارًا، فليتحمّل الجميع مسؤولية انهيار الذوق العام.
أما استمرار الصمت، فهو مشاركة في الفوضى لا حياد.








