عاجلمقالات

علي محمدين يكتب: العنف المدرسي يضرب أوروبا

لم تعد المدارس الأوروبية بمنأى عن حوادث العنف والاعتداءات، بعدما شهدت فرنسا وألمانيا وبولندا وسلوفاكيا وإسبانيا سلسلة من الوقائع التي تراوحت بين إطلاق النار والطعن والاعتداء الجسدي على المعلمين، وصولًا إلى جرائم قتل وإصابات خطيرة داخل المؤسسات التعليمية. وأعادت هذه الحوادث، التي وقعت خلال الفترة الممتدة من أواخر سبتمبر وحتى منتصف أكتوبر 2026، ملف أمن المدارس وحماية الطلاب والعاملين بها إلى صدارة النقاش العام، وسط تساؤلات بشأن دوافع المعتدين، وتأثير المحتوى العنيف على الإنترنت، وقدرة المؤسسات التعليمية على اكتشاف مؤشرات الخطر قبل وقوع الجرائم.

 

الوقائع الخمس تكشف صور مختلفة للعنف المرتبط بالمدارس

وتكشف الوقائع الخمس عن صور مختلفة للعنف المرتبط بالمدارس؛ ففي فرنسا، استخدم مراهق يبلغ من العمر 14 عامًا بندقية صيد أخفاها داخل حقيبة جيتار لإطلاق النار على مسؤولين في مدرسته، بينما شهدت ألمانيا اعتداء طالب سابق يبلغ 15 عامًا على مدرّسة وتلميذ بسكين. وفي بولندا، قُتلت موظفة مدرسة وأُصيب مدرّسان خلال هجوم نفذه مراهق، فيما انتهى اعتداء في سلوفاكيا بمقتل مدرّسة وإصابة مدرّسة أخرى وتلميذة. أما في إسبانيا، فألقت السلطات القبض على أم يُشتبه في اعتدائها على مدرّسة ابنتها وتهديدها.

 

ورغم التقارب الزمني بين هذه الحوادث، لا توجد أدلة كافية تسمح باعتبارها جزءًا من موجة منظمة واحدة أو ربطها جميعًا بدافع مشترك. لكن تكرار الاعتداءات داخل المدارس يطرح أسئلة ملحة حول الإجراءات الوقائية، وكيفية التعامل مع التهديدات، ودور الأسرة والمدرسة والمنصات الرقمية في الحد من مخاطر العنف.

 

فرنسا.. مراهق يخفي بندقية داخل حقيبة جيتار ويطلق النار في المدرسة

في مدينة أوبانيه القريبة من مارسيليا جنوبي فرنسا، تحولت مدرسة جوزيف لاكانال الإعدادية إلى مسرح لحادث إطلاق نار يوم 12 أكتوبر، بعدما أقدم طالب يبلغ من العمر 14 عامًا على استخدام بندقية صيد أخفاها داخل حقيبة جيتار، في محاولة للوصول إلى أهدافه داخل المؤسسة التعليمية.

 

وبحسب المعلومات الواردة عن الحادث، أطلق المراهق النار على مدير المدرسة ومدرّسة، ما أدى إلى إصابتهما، كما تعرض شخص ثالث لإصابة طفيفة مرتبطة بالواقعة. وتدخل أحد العاملين بالمدرسة وتمكن من السيطرة على المشتبه به وانتزاع السلاح منه، وهو ما ساهم في وقف الاعتداء ومنع استمراره.

 

ونُقل المصابون إلى المستشفى لتلقي العلاج، وأشارت التقارير الأولية إلى أن إصابات المسؤولين لم تكن مهددة للحياة وقت نشر المعلومات. غير أن خطورة الواقعة لم تقتصر على استخدام سلاح ناري داخل مدرسة، بل امتدت إلى ما كشفته التحقيقات الأولية بشأن النشاط الرقمي للمراهق.

 

ووفقًا للتقارير المنشورة، كان المشتبه به ينشط عبر حساب إلكتروني ينشر محتوى عنيفًا، من بينه مواد تتعلق بإطلاق النار داخل المدارس وتمجيد منفذي الهجمات. وأقر المراهق بتأثره بهذه البيئة الرقمية، لكنه نفى تنفيذ الاعتداء باسم المجموعة أو المجتمع الإلكتروني الذي تابع محتواه.

 

وقال المشتبه به للمحققين إنه أراد الانتقام بسبب ما وصفه بالتنمر من جانب معلمين وزملاء، إلا أن هذا الادعاء لم تثبت صحته بصورة نهائية. كما أشارت التحقيقات إلى أنه كان يخطط للهجوم منذ أشهر.

 

وأعلن الادعاء الفرنسي المختص بمكافحة الإرهاب فتح تحقيق قضائي يشمل الاشتباه في محاولة قتل مع سبق الإصرار ذات صلة بالإرهاب، والتآمر الإرهابي، ومخالفات تتعلق بحيازة الأسلحة واستخدامها.

 

وتسلط القضية الضوء على صعوبة التعامل مع المؤشرات الرقمية التي قد تسبق بعض الاعتداءات، لكنها لا تعني أن مشاهدة المحتوى العنيف تؤدي بالضرورة إلى ارتكاب الجرائم. وتبقى مسؤولية المحققين تحديد طبيعة الصلات بين النشاط الإلكتروني للمشتبه به وخططه الفعلية.

 

ألمانيا.. طالب سابق يهاجم مدرّسة ويطعن تلميذًا عمره 11 عامًا

وفي ألمانيا، شهدت مدينة ألبشتات-إبينجن بولاية بادن فورتمبيرغ حادث اعتداء داخل مدرسة يوم 13 أكتوبر، بعدما دخل مراهق يبلغ 15 عامًا، وكان طالبًا سابقًا بالمؤسسة، إلى المبنى قبل بدء الحصص الدراسية.

 

وبحسب تقارير هيئة البث الألمانية «إس دبليو آر» وموقع «تاجسشاو»، اعتدى المراهق على مدرّسة بالضرب، قبل أن يتعرض تلميذ يبلغ من العمر 11 عامًا لإصابة بسكين أثناء مغادرة المشتبه به المبنى.

 

ونُقل الطفل إلى المستشفى، وأكدت الشرطة أن حالته لم تكن مهددة للحياة وفق المعلومات التي نُشرت عقب الحادث. كما ضبطت السلطات سكينًا يُشتبه في استخدامها خلال الاعتداء، وألقت القبض على المراهق.

 

وفي تطور لاحق، أُودع المشتبه به الحبس الاحتياطي على خلفية التحقيق في الاشتباه بمحاولة القتل والاعتداء الخطير على شخصين. ولا تزال دوافع الهجوم قيد التحقيق، دون إعلان نتيجة نهائية بشأن أسباب عودته إلى المدرسة أو طبيعة علاقته بالمدرّسة والتلميذ.

 

وقررت إدارة المدرسة تعليق الدراسة مؤقتًا، مع العمل على توفير الدعم النفسي للتلاميذ والعاملين المتأثرين بالواقعة.

 

وتعيد الحادثة طرح مسألة تأمين المدارس من التهديدات التي قد تصدر عن أشخاص لم يعودوا ضمن طلابها، فضلًا عن ضرورة وجود إجراءات واضحة للتعامل مع دخول الغرباء أو الطلاب السابقين إلى المؤسسات التعليمية. كما تبرز أهمية التحقيق في أي تهديدات سابقة، دون افتراض وجود دوافع أو روابط لم تثبتها الأدلة.

 

بولندا.. مقتل موظفة وإصابة مدرّسين خلال هجوم نفذه مراهق

وفي بولندا، أثارت جريمة داخل مدرسة ابتدائية في بلدة ليشتيشدول-نوويني، شمال شرقي وارسو، صدمة واسعة، بعدما قُتلت موظفة تبلغ من العمر 37 عامًا وأُصيب مدرّسان حاولا التدخل لوقف الهجوم.

 

وذكرت صحيفة لابانجورديا الإسبانية إن الاعتداء وقع صباح 8 أكتوبر، ونفذه طالب سابق يبلغ 15 عامًا. ومن التفاصيل التي لفتت انتباه المحققين أن المشتبه به كان يرتدي كاميرا مثبتة على خوذة، وهو ما أثار تساؤلات بشأن احتمال نيته تسجيل ما حدث، لكن وجود الكاميرا وحده لا يثبت الغرض من استخدامها أو ارتباطها بتحدٍّ إلكتروني معين.

 

وزادت المخاوف بعد هجوم بسكين وقع في اليوم السابق داخل مدرسة أخرى بمدينة أوسترولينكا، وأسفر عن إصابة عشرة أشخاص، بينهم المهاجم نفسه. وأثارت الحادثتان تكهنات عبر الإنترنت بشأن احتمال وجود هجمات متتابعة أو تحديات إلكترونية تدعو إلى تقليد الاعتداءات.

 

لكن السلطات البولندية شددت على ضرورة التمييز بين الشائعات والأدلة المؤكدة، إذ لم يكن لدى الشرطة، وفق التقارير المنشورة، دليل يثبت وجود صلة تنظيمية بين الهجومين أو أن تحديًا إلكترونيًا بعينه كان وراءهما.

 

وأعلنت السلطات إجراءات لتعزيز الوجود الأمني حول المدارس، إلى جانب متابعة التهديدات المتداولة على الإنترنت، وتوقيف أشخاص على خلفية تهديدات مرتبطة بالهجمات.

 

وتبرز القضية أهمية التعامل السريع مع التهديدات الجدية، خصوصًا عندما تتزامن حوادث عنف متعددة في فترة قصيرة. وفي الوقت نفسه، فإن إثبات وجود تقليد متعمد أو تنسيق بين المعتدين يتطلب أدلة مستقلة، ولا يمكن استخلاصه من التشابه في أساليب الاعتداء أو توقيت وقوعه وحدهما.

 

سلوفاكيا.. هجوم بسكين ينتهي بمقتل مدرّسة وإصابة تلميذة

وفي سلوفاكيا، شهدت بلدة ستاشكوف شمال غربي البلاد حادثًا دمويًا داخل مدرسة ابتدائية يوم 29 سبتمبر، بعدما نفذ تلميذ بالصف الثامن هجومًا بسكين أسفر عن مقتل مدرّسة تبلغ 61 عامًا، وإصابة مدرّسة أخرى وتلميذة.

 

ووفقًا للتقارير الواردة عن وكالة الأنباء السلوفاكية «تاسر» وموقع «يورونيوز»، وقع الاعتداء بعد الحصة الأولى من اليوم الدراسي داخل المدرسة الواقعة في منطقة تشادكا. وأُلقي القبض على المهاجم عقب الحادث، بينما أُصيبت مدرّسة أخرى بجروح، بينها إصابة في الصدر، ونُقلت إلى المستشفى.

 

كما تعرضت تلميذة لإصابات خطيرة، وأشارت التقارير الأولية إلى أن حالتها كانت حرجة. وكانت المدرّسة التي قُتلت قد عملت في المدرسة، وشغلت سابقًا منصب المديرة.

 

وأعلن وزير الداخلية السلوفاكي ماتوشت سوتاي إستوك أن السلطات تتعامل مع الواقعة باعتبارها هجومًا خطيرًا داخل مدرسة، فيما تولت الجهات المختصة التحقيق في ملابساتها.

 

ولم تتضمن المعلومات الأولية تفسيرًا نهائيًا لدوافع المهاجم، ولذلك لا يمكن الجزم بأن الاعتداء نتج عن التنمر أو خلاف شخصي أو تأثير محتوى منشور عبر الإنترنت.

 

وتعيد الجريمة النقاش حول مدى جاهزية المدارس للتعامل مع الطوارئ، وأهمية وجود آليات واضحة للإبلاغ عن التهديدات أو السلوكيات المثيرة للقلق، إلى جانب توفير الدعم النفسي للتلاميذ والعاملين بعد الحوادث العنيفة.

 

كما تبرز ضرورة عدم الاكتفاء بتشديد إجراءات الأمن عقب وقوع الاعتداءات، بل العمل على تطوير وسائل الوقاية والتواصل بين المدرسة والأسرة والجهات المختصة، مع مراعاة أن تقييم أي سلوك يحتاج إلى معلومات موثوقة، لا إلى افتراضات مسبقة.

 

 

إسبانيا.. توقيف أم بعد الاعتداء على مدرّسة ابنتها

ولا تقتصر الاعتداءات المرتبطة بالمدارس على الطلاب أو المراهقين، إذ شهدت مدينة روكيتاس دي مار بإقليم ألميريا جنوبي إسبانيا واقعة اعتداء يُشتبه في تورط إحدى الأمهات فيها، بعدما دخلت في مواجهة مع مدرّسة بمرحلة رياض الأطفال.

 

وذكرت وكالة «يوروبا برس» الإسبانية أن الحادث وقع يوم 2 أكتوبر، عند خروج التلاميذ من مدرسة خوان دي أوريا الابتدائية، بعدما اعترضت المرأة على تصرف قالت إنه تسبب في إيذاء ابنتها أثناء محاولة إجلاسها على مقعد.

 

وتطورت المواجهة، وفقًا للبلاغ، إلى اعتداء جسدي ولفظي وتهديدات بحق المدرّسة، بحضور سكرتيرة المدرسة. وتقدمت المعلمة بشكوى، قبل أن يعلن الحرس المدني الإسباني توقيف المرأة يوم 7 أكتوبر.

 

وأدانت السلطات التعليمية في إقليم ألميريا الحادث، وأعربت عن دعمها للمدرّسة المتضررة والعاملين بالمؤسسة، مؤكدة ضرورة توفير بيئة تعليمية قائمة على الاحترام والحوار ورفض الاعتداءات الجسدية واللفظية.

 

وتسلط الواقعة الضوء على أهمية وجود قنوات رسمية لتلقي شكاوى أولياء الأمور، بما يسمح بمناقشة الخلافات المتعلقة بأبنائهم داخل المدارس دون اللجوء إلى العنف أو التهديد. كما تؤكد ضرورة حماية المعلمين والعاملين من الاعتداءات، مع ضمان حق الأسر في تقديم الشكاوى ومتابعتها عبر الإجراءات المعتمدة.

 

ولا تعني الواقعة أن العلاقة بين الأسر والمدارس أصبحت عنيفة بصورة عامة، كما أن توقيف المشتبه بها لا يمثل حكمًا قضائيًا نهائيًا؛ إذ تظل المسؤولية القانونية خاضعة للتحقيق والإجراءات القضائية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى