
في تفاصيل الحياة اليومية، تمر بعض السنن النبوية بهدوء، نمارسها دون أن نتأمل عمقها الروحي وأثرها الإنساني، ومن هذه السنن البسيطة في ظاهرها، العظيمة في معناها، المصافحة، تلك اللحظة القصيرة التي تجمع بين الأيدي، لكنها تفتح أبوابا واسعة للمودة والمغفرة وتقوية الروابط بين الناس.
المصافحة سنة تجمع القلوب
أرشد الإسلام إلى المصافحة بين الرجال بعضهم مع بعض، وبين النساء بعضهن مع بعض، باعتبارها من مظاهر الأخوّة والإيمان، فقد ورد في الأحاديث النبوية ما يبين فضلها العظيم.
فروى الطبراني والبيهقي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن المؤمن إذا لقي المؤمن، فسلم عليه وأخذ بيده، فصافحه، تناثرت خطاياهما، كما يتناثر ورق الشجر»، وفي حديث آخر، «ما من مسلمين يلتقيان يتصافحان إلا غفر لهما قبل أن يتفرقا».
كيف تكون المصافحة؟
جاء في أقوال أهل العلم أن السُّنة في المصافحة أن تكون بكلتا اليدين، لما في ذلك من مزيد إظهار للمودة والاحترام، وقد أكد الإمام النووي، رحمه الله، في كتابه الأذكار، أن المصافحة مستحبة عند كل لقاء، من غير تقييد بزمن أو مناسبة بعينها.
المصافحة بعد الصلاة
أما ما اعتاده الناس من المصافحة بعد صلاتي الفجر والعصر، فقد أوضح النووي أن هذا التخصيص لم يرد فيه نصٌّ خاص، لكنه في الوقت نفسه لا يُعدّ أمرًا منكرًا، لأن أصل المصافحة مشروع في الشريعة، وما جرى عليه الناس من تقييدها بوقت معين هو من باب العادة، لا العبادة المخصوصة، وبالتالي لا حرج فيه.
ويذهب فقهاء الحنفية إلى ترجيح جواز المصافحة مطلقًا، سواء كانت بعد الصلاة أو في أي وقت آخر، ما دامت في إطارها المشروع، خالية من المخالفات الشرعية.
سُنّة صغيرة وأجر كبير
هكذا تبدو المصافحة في الإسلام أكثر من مجرد تحية عابرة؛ إنها رسالة محبة، وتجديد للعهد بين القلوب، وفرصة لنيل مغفرة الله بأبسط الأفعال.
وفي عالم يزداد فيه الجفاء، تبقى هذه السُّنة النبوية تذكيرًا عمليًا بأن التقارب يبدأ بخطوة وبمصافحة.







