
لم تعد المنافسة في موسم الدراما الرمضانية تقتصر على جودة السيناريو أو براعة الأداء، بل انتقلت إلى ساحات التريند ومنصات التواصل الاجتماعي في معركة حول لقب “الأكثر مشاهدة”، ومع انتصاف الشهر الكريم، تحولت صفحات النجوم إلى منصات لتبادل الاتهامات بتزييف الواقع عبر اللجان الإلكترونية، مما أعاد طرح التساؤلات القديمة المتجددة حول غياب آليات دقيقة ومحايدة لقياس نسب المشاهدة في سوق درامي يغلي بالتنافس ويحاول كل نجم أثبات أنه “نمبر وان”.
اتهامات متبادلة وتقارير مجهولة المصدر
فقد فتحت تصريحات صناع الأعمال الدرامية الرمضانية بابا واسع من التساؤلات والشكوك حول المعايير الحقيقية لقياس النجاح في الموسم الحالي، حيث شهدت منصات التواصل الاجتماعي في الأيام القليلة الماضية حالة من الشجار المشتعل بين عدد من الفنانين وصناع الدراما في مصر، حيث برز هذا التنافس بشكل لافت من خلال المنشورات المتكررة للفنانة مي عمر وزوجها المخرج محمد سامي، اللذين أكدا تصدر مسلسل “الست موناليزا” للمشاهدات خلال النصف الأول من الشهر الكريم، وفي المقابل، احتفت الفنانة ياسمين عبد العزيز بحلول مسلسلها في المركز الأول على منصة “شاهد”، مما أدى لصدام كلامي مع محمد سامي الذي اعتبر أن تصدرها جاء فقط بعد انتهاء حلقات مسلسل الفنانة مي عمر.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل امتد ليشمل الفنان عمرو سعد الذي روج لبيانات تزعم تصدر مسلسله “إفراج” للسباق الرمضاني، مستندا إلى تقرير نسب صدوره لشركة “نايل سات”، وهو ما سارع رئيس الشركة اللواء سامح قتة بنفيه لاحقًا في تصريحات صحفية، مؤكدًا عدم إصدار أي بيانات رسمية حول نسب المشاهدة وأن أي أرقام ستكون في بيانات رسمية من خلال الشركة نفسها، وجاء تحرك سعد هذا بعد تهنئة مثيرة للجدل من محمد سامي له بوجوده في المركز السادس، ومن جهة أخرى، دخل الفنان أحمد العوضي بطل “علي كلاي” دائرة الصراع عبر نشر مقاطع فيديو تحقق ملايين المشاهدات، معتبرًا إياها الدليل الأكبر على تربعه على عرش الأكثر مشاهدة.
وتواصلنا مع عدد من النقاد لمعرفة إذا كانت توجد آليات رصد حقيقية لنسب المشاهدة لمسلسلات رمضان أم لا؟، ليجمع جميعهم على أن ما يحدث الآن يعكس أزمة عميقة في الوسط الفني فبدلًا من التركيز على الخروج بعمل فني راقي يتهافت النجوم على أرقام وهمية، مؤكدين أن آلية قياس النجاح الوحيدة هي جودة الأعمال الفنية المطروحة.
طارق الشناوي: ما يحدث كوميديا سوداء
وصف الناقد طارق الشناوي هذا الصراع بتبديد الطاقة، مشيرا إلى أن اعتراف الجميع بوجود لجان إلكترونية و”ذباب إلكتروني” يجعل من الصعب التصديق بصحة هذه الأرقام، موضحًا أن النجوم يحاولون تصدير فكرة وهمية للمشاهد بأنه مخطئ في عدم متابعته للعمل وليس في جودة ما يقدم نفسه، ووصف الحالة الراهنة بأنها “مضحكة من فرط تراجيديتها”، مشيدا في الوقت ذاته بمسلسلات مثل “صحاب الأرض” الذي أثار ضجة وصلت أصداؤها لإسرائيل، بالإضافة إلى “رأس الأفعى” و”عين سحرية”.
وطالب الشناوي الفنانين بالترفع عن المعارك “الخايبة” خارج الرقعة الفنية، مؤكدًا أن الفنان الحقيقي مكانه الاستوديو وليس تتبع الأرقام الوهمية، وذلك حتي يتمكن من تقديم جودة فنية تشيد بها الجماهير تلقائيًا دون الحاجة لتزييف الأرقام.
محمود قاسم: صراع من أجل لقمة العيش
رأي الناقد محمود قاسم أن هذا التنافس و”الخناقة الدايرة” يعود للقمة العيش، حيث يحاول الممثل ضمان تواجده في المواسم القادمة وجذب المنتجين عبر إثبات جماهيريته حتى لو كانت وهمية.
وأكد قاسم أن الجمهور يمتلك حسا نقديا يجعله ينفر من الأعمال “الأوفر” أو المبالغ فيها ويهرب من التزييف، بينما ينجذب للأعمال التي تعبر عن واقعه وهمومه بصدق.
وأشاد قاسم بمسلسلي “صحاب الأرض” و”الست موناليزا” كأبرز أعمال النصف الأول، متوقعا نجاحا كبيرا لمسلسل “حكاية نرجس” للفنانة ريهام عبد الغفور في النصف الثاني، نظرًا لقدرتها على جعل الجمهور يصدق الشخصية ويتفاعل مع تفاصيلها منذ الحلقة الأولى.
ماجدة خير الله: “برستيج” وهمي وأجور متضخمة
أما الناقدة ماجدة خير الله، فقد أكدت أن غياب مقاييس دقيقة للمشاهدة على التلفزيون والمنصات جعل القيمة الفنية هي المعيار الوحيد الذي لا يمكن شراؤه بالمال أو اللجان الإلكترونية، موضحة أن إصرار البعض على لقب “رقم واحد” يهدف لرفع الأجر وزيادة الوجاهة الاجتماعية، مستشهدة بالفنان محمد رمضان الذي فرض لقب “نمبر وان” حتى أصبح واقعا يطلبه المخرجون والمنتجون لذلك اللقب بالتحديد.
وانتقدت خير الله تراجع المستوى الفني ووصفته بـ “الهابط”، مؤكدة أن هذه المراكز وهمية وباطلة لأن المستوى الفني في هبوط فكيف يمكن القول إن أحدهم هو الأول أو الأكثر سعرًا أو مشاهدة وهو يقدم فنا سخيفا وهابطا وضعيفا، معتبرة أن هذه الخناقات العبثية تسيء لصناع الفن.
وأوضحت أن الأعمال ذات القيمة الحقيقية مثل “أصحاب الأرض” و”عين سحرية” لم يخرج أبطالها للتهليل، بل تركوا الجودة تتحدث عنهم، واصفة الخناقات الحالية بأنها عبثية تنفر الجمهور من الصناع.
بينما تراوحت ردود أفعال الجمهور عبر منصات التواصل الاجتماعي بين السخرية اللاذعة والدعم المتعصب للفنانين، حيث أصبح المتابع المصري أكثر وعيًا بالتزييف الإلكتروني، ويرى قطاع واسع من رواد التواصل الاجتماعي أن صراع “نمبر وان” بات أشبه بمسرحية موازية للمسلسلات نفسها بل أفضل منها في الحبكة الدرامية والسيناريو، حيث يتبادل المتابعون السخرية من الأرقام الفلكية التي ينشرها النجوم، معتبرين أن الجان الإلكترونية هي البطل الحقيقي خلف هذه الملايين، وهو ما عزز حالة من عدم الثقة في أي إحصائيات لا تصدر عن جهات رسمية أو منصات عالمية موثوقة.






