
لم يعد مقبولًا التعامل مع قانون الرؤية باعتباره مجرد نص قانوني ينظم مواعيد لقاء، بينما في حقيقته أصبح أحد أبرز أوجه القصور التشريعي في ملف حقوق الطفل. فالقضية لم تعد خلافًا بين أب وأم، بل أزمة حقيقية تمس مستقبل أجيال تُجبر على النمو داخل بيئة عاطفية مبتورة، تُدار بمنطق “الساعات المحددة” بدلًا من “الاحتواء الإنساني”.
الحقيقة الصادمة أن قانون الرؤية بصورته الحالية لا يحقق العدالة، ولا يحمي الطفل، بل في كثير من الأحيان يكرّس معاناة نفسية صامتة. فكيف يمكن اختزال علاقة الأب أو الأم بطفله في ثلاث ساعات أسبوعيًا داخل نادٍ أو مركز شباب؟ أي منطق يقبل أن تتحول الأبوة أو الأمومة إلى “موعد رسمي” يخضع لقيود زمنية ومكانية جامدة، وكأننا أمام إجراء إداري لا علاقة له بالمشاعر والاحتياجات النفسية؟
الأكثر خطورة، أن هذا القانون فتح الباب واسعًا أمام التعسف وسوء الاستخدام. حالات كثيرة يتم فيها تعطيل تنفيذ الرؤية عمدًا، دون ردع حقيقي، ودون آليات حاسمة تُلزم الطرف الممتنع. وهنا يتحول القانون من أداة لحماية الحق، إلى غطاء لاستمرارية الانتهاك. طفل يُحرم من أحد والديه، وآخر يُزرع داخله شعور بأن الطرف الغائب قد تخلّى عنه، بينما الحقيقة أن هناك خللًا تشريعيًا يُدار بعقلية قديمة لا ترى أبعد من النص.
الخبراء في علم السلوك يؤكدون أن الطفل لا يفهم تعقيدات الأحكام القضائية، بل يترجم الواقع ببساطة مؤلمة: “أبي لا يأتي” أو “أمي لا تريدني”. هذه الجمل البسيطة تحمل في طياتها آثارًا نفسية عميقة، تبدأ بفقدان الثقة، وقد تنتهي باضطرابات سلوكية أو عاطفية تستمر لسنوات. نحن هنا لا نتحدث عن رفاهية نفسية، بل عن حق أصيل في التوازن العاطفي.
أما الحديث عن “المصلحة الفضلى للطفل”، فقد أصبح في كثير من الأحيان شعارًا يُرفع دون تطبيق حقيقي. فالمصلحة لا تتحقق برؤية شكلية، بل بعلاقة مستمرة، طبيعية، يشعر فيها الطفل بالأمان والانتماء لكلا والديه. وهذا لن يحدث إلا عبر التحول الجاد نحو نظام “الرعاية المشتركة”، الذي لم يعد خيارًا نظريًا، بل ضرورة تفرضها التطورات الاجتماعية والحقوقية.
الرعاية المشتركة تعني مسؤولية متكاملة، لا تُقصي طرفًا ولا تُهمّش دورًا. تعني أن الطفل ليس ملكًا لطرف دون الآخر، بل أمانة مشتركة يجب الحفاظ عليها. تعني إنهاء فكرة “الطرف الزائر” و”الطرف المسيطر”، واستبدالها بشراكة حقيقية تُدار بضوابط قانونية واضحة، تضمن الاستقرار وتحمي من التعسف.
لكن هذا التحول لن يتحقق دون إرادة تشريعية حقيقية، تعترف بأن القانون الحالي لم يعد صالحًا، وأن التمسك به هو استمرار للأزمة لا حل لها. المطلوب ليس تعديلات شكلية، بل إعادة صياغة شاملة تُراعي الواقع، وتستند إلى دراسات نفسية واجتماعية حديثة، وتضع مصلحة الطفل فوق أي اعتبارات أخرى.
إن أخطر ما في الأمر، أن استمرار الوضع الحالي يعني إنتاج أجيال تحمل داخلها ندوبًا نفسية غير مرئية، لكنها مؤثرة. أجيال قد تفقد الثقة في مفهوم الأسرة ذاته، نتيجة تجربة قاسية لم تجد من ينقذها في الوقت المناسب.
في النهاية، لا يجب أن يكون السؤال: “كم ساعة يرى الأب ابنه؟”
بل: “كيف نضمن أن ينشأ هذا الطفل سليمًا نفسيًا؟”
فالقوانين التي لا تحمي الأطفال… تحتاج إلى محاكمة قبل أن تُطبّق.







