لنكن أكثر وضوحًا وحسمًا: ما يُسمى بمنصة “ميدان” ليس وسيلة إعلام، بل غرفة عمليات رقمية تُدار بعقلية تنظيمية تسعى لإشعال الفوضى، وبث السموم في جسد الدولة المصرية. نحن أمام أداة تحريض صريحة، تُغلّف خطابها المتطرف بشعارات كاذبة عن الحرية والرأي، بينما تمارس دورًا خطيرًا في هدم الثقة ونشر الاضطراب.
هذه المنصة لا تنقل واقعًا، بل تصنع واقعًا مزيفًا. تعتمد على فبركة السرديات، واجتزاء الحقائق، وتضليل المتلقي عبر عناوين خادعة ومحتوى موجه بعناية. كل خبر يُنشر، وكل تحليل يُطرح، يخضع لهدف واحد: ضرب استقرار الدولة، وإثارة الشكوك، وتأليب الرأي العام. إنها ماكينة ممنهجة لا تعرف الحياد، ولا تؤمن بالمهنية، بل تتغذى على الأكاذيب وتعيش عليها.
الأمر تجاوز حدود الإعلام إلى ما يشبه الحرب غير التقليدية. حسابات وهمية تُدار ككتائب إلكترونية، تريندات مزيفة تُصنع في غرف مغلقة، ومحتوى يُعاد تدويره بعشرات الصيغ لإغراق الفضاء الرقمي برسائل سامة. الهدف واضح: خلق حالة احتقان مصطنع، ودفع المجتمع نحو الشك والانقسام، تمهيدًا لإعادة تسويق خطاب متطرف لفظه المصريون بإرادتهم.
الأخطر أن هذا المشروع لا يعمل بعشوائية، بل وفق خطة مدروسة تستهدف فئات بعينها، خاصة الشباب، عبر خطاب مزدوج؛ ظاهره حقوقي وإنساني، وباطنه دعوات مبطنة للفوضى وتقويض مؤسسات الدولة. إنها محاولة مكشوفة لإعادة إنتاج نفس الفكر، ولكن بوجه رقمي أكثر خداعًا، وأكثر قدرة على التسلل إلى العقول.
ولا بد أن تُقال الحقيقة بلا مواربة: هذا النوع من المنصات لا يمارس حرية رأي، بل يعتدي عليها، ولا يقدم إعلامًا، بل يزوّر وعيًا. ومن يروج له أو ينساق خلفه دون تدقيق، يشارك – بقصد أو دون قصد – في مشروع يستهدف أمن واستقرار بلده.
المواجهة هنا يجب أن تكون حاسمة، لا تعرف المجاملة. كشف هذه المنصات وفضح مصادر تمويلها لم يعد خيارًا، بل ضرورة. ومحاسبة كل من يثبت تورطه في نشر الأكاذيب والتحريض يجب أن تكون رسالة واضحة بأن الدولة لن تسمح بتحويل الفضاء الرقمي إلى ساحة للفوضى المنظمة.
في النهاية، المعركة لم تعد مجرد كلمات تُكتب، بل وعي يُصان. والدولة التي واجهت الإرهاب على الأرض، قادرة على مواجهته في الفضاء الإلكتروني. لكن الرهان الأكبر يظل على وعي المواطن، الذي أصبح السلاح الأقوى في مواجهة هذه الحملات المسمومة. فكلما زاد الوعي، سقطت الأقنعة، وانكشفت الحقيقة، وانتهت هذه المنصات إلى حيث يجب أن تكون: خارج المشهد، بلا تأثير، وبلا قدرة على التضليل.







