عاجلمقالات

حسين محمود يكتب: حين يتحول الحب إلى كمين مادى

لم يعد الخطر فى العلاقات الزوجية مقتصرًا على الخلافات التقليدية أو الضغوط الاقتصادية، بل ظهر وجه أكثر قسوة وخداعًا، يمكن أن نطلق عليه دون مبالغة “لصوص باسم الحب”. ظاهرة تتسلل بهدوء إلى البيوت، تبدأ بكلمات رومانسية عن المشاركة وبناء المستقبل، وتنتهى بسيطرة كاملة على راتب الزوجة، وكأنها غنيمة حرب لا شريكة حياة.

فى كثير من القصص المؤلمة، نجد أن البداية تكون طبيعية: زوج يدّعى الحرص على “تنظيم المصروفات”، أو “تجميع الأموال لتحقيق حلم الاستقرار”. لكن سرعان ما تتحول هذه النوايا المعلنة إلى واقع مرير، حيث تُجبر الزوجة — بشكل مباشر أو غير مباشر — على تسليم راتبها كاملًا، وتُحرم حتى من أبسط حقوقها فى التصرف بمالها. وهنا لا نتحدث عن اتفاق رضائى، بل عن ضغوط نفسية، وابتزاز عاطفى، وأحيانًا تهديد مبطن بهدم الأسرة.

المشكلة الحقيقية ليست فقط فى الاستيلاء على المال، بل فى كسر إرادة الزوجة وسلب استقلالها. حين يتحول الحب إلى أداة سيطرة، تفقد العلاقة جوهرها الإنسانى، وتتحول إلى معادلة غير عادلة: طرف يضحى ويُستنزف، وطرف آخر يجنى الثمار دون وجه حق.

الأخطر أن بعض هؤلاء الرجال يبررون أفعالهم تحت شعارات زائفة مثل “الراجل قوام”، أو “أنا الأدرى بإدارة البيت”، متناسين أن القوامة ليست استغلالًا، وأن الشراكة لا تعنى المصادرة. فالقانون نفسه واضح فى هذه المسألة: ذمة الزوجة المالية مستقلة تمامًا، ولا يحق لأى طرف الاستيلاء على مالها دون رضاها الكامل.

وتكشف محاكم الأسرة يوميًا عن حجم هذه المأساة، حيث تتحول قصص الحب إلى قضايا خلع، بعد أن تصل الزوجة إلى مرحلة الانفجار، غير قادرة على تحمل مزيد من الاستنزاف المادى والنفسى. قصص لسيدات عملن لسنوات، ليجدن أنفسهن بلا مدخرات، وبلا أمان، بعد أن تم تفريغ حساباتهن تحت مسمى “المصلحة المشتركة”.

إن ما يحدث ليس مجرد خلاف مالى، بل شكل من أشكال العنف الخفى، الذى لا يترك كدمات ظاهرة، لكنه يترك ندوبًا عميقة فى الكرامة والثقة. وهو ما يستدعى وقفة حاسمة، تبدأ من التوعية بحقوق المرأة المالية، وتمر بتفعيل دور الأسرة فى حماية بناتها، ولا تنتهى عند ضرورة تدخل القانون بحزم لردع كل من تسول له نفسه استغلال مشاعر الحب لتحقيق مكاسب مادية.

فى النهاية، يبقى السؤال الأهم: كيف نثق فى علاقة تُبنى على الاستنزاف؟ وكيف يستمر بيت تُنهب فيه حقوق أحد طرفيه؟

الحب الحقيقى لا يعرف السرقة، ولا يُدار بمنطق “الغنيمة”، بل يقوم على الاحترام، والعدل، والشراكة الحقيقية… وما دون ذلك ليس زواجًا، بل صفقة خاسرة تدفع ثمنها المرأة وحدها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى