عاجلمقالات

حسين محمود يكتب: تشريع على حافة اختبار العدالة

لم يعد كافيًا الحديث عن “تعديل” قانون الأحوال الشخصية، فالمشهد الحالي يكشف بوضوح أن الأمر يتجاوز مجرد التعديل إلى محاولة إعادة هندسة كاملة للعلاقة داخل الأسرة المصرية. مشروع القانون الجديد، المطروح أمام البرلمان، لا يأتي في فراغ، بل في ظل تصاعد غير مسبوق في معدلات الطلاق، وتكدس آلاف القضايا في محاكم الأسرة، وحالة احتقان حقيقي بين أطراف العلاقة الأسرية، كل طرف يرى نفسه مظلومًا تحت مظلة قانون لم يعد يواكب الواقع.

أخطر ما يتعامل معه المشروع هو ملف الحضانة والرؤية، الذي ظل لسنوات طويلة قنبلة موقوتة داخل البيوت. التوجه نحو إقرار “الاستضافة” بدلًا من الاكتفاء بالرؤية لساعات محدودة، قد يبدو خطوة عادلة للأب، لكنه في جوهره يحتاج إلى ضمانات صارمة. فبدون رقابة حقيقية، قد تتحول الاستضافة إلى وسيلة ضغط أو انتقام، أو حتى وسيلة لحرمان الطرف الآخر من الطفل. لذلك، فإن نجاح هذا البند مرهون بوجود آليات تنفيذ دقيقة، تشمل تحديد أماكن الاستضافة، ومدتها، وإجراءات واضحة للتعامل مع أي إخلال بالاتفاق.

وفي السياق نفسه، يطرح المشروع إعادة ترتيب أولويات الحضانة، وهي نقطة شديدة الحساسية. أي تغيير غير مدروس في هذا الملف قد يخلق صدامًا مجتمعيًا واسعًا، خاصة أن مصلحة الطفل لا يجب أن تكون شعارًا يُرفع، بل معيارًا حقيقيًا يُطبق. الطفل ليس طرفًا في النزاع، لكنه دائمًا الضحية الأولى.

أما ملف النفقة، فهو أحد أبرز أوجه الخلل في المنظومة الحالية. المشروع يتجه إلى تشديد العقوبات على المتهربين من سداد النفقة، مع تسريع إجراءات التنفيذ، وربما ربطها بجهات العمل أو الحسابات البنكية. هذه خطوة طال انتظارها، لكنها في المقابل تتطلب دقة في تقدير قيمة النفقة، حتى لا تتحول إلى عبء غير واقعي على الأب، أو باب للاستغلال. العدالة هنا لا تعني فقط حماية الزوجة والأبناء، بل أيضًا عدم سحق الطرف الآخر اقتصاديًا.

وفيما يتعلق بـ الطلاق، يحاول المشروع وضع حد لحالة العبث التي سببها الطلاق الشفهي غير الموثق. الاتجاه نحو إلزام التوثيق الرسمي ليس فقط إجراءً قانونيًا، بل محاولة لإجبار الطرفين على التروي قبل اتخاذ قرار مصيري. لكن السؤال الأهم: هل سيقضي ذلك فعليًا على الطلاق العشوائي، أم سيدفع البعض إلى التحايل بطرق أخرى؟ هنا تظهر أهمية التوعية المجتمعية، لا الاكتفاء بالنصوص.

المشروع يتطرق أيضًا إلى الولاية التعليمية والسفر، وهما من أكثر الملفات التي تشهد نزاعات حادة. منح الأم دورًا أكبر في اتخاذ القرارات اليومية المتعلقة بالطفل، مقابل الحفاظ على حق الأب في الإشراف، قد يكون حلًا متوازنًا، لكن بشرط ألا يتحول إلى ساحة صراع جديدة. فكم من طفل حُرم من التعليم المناسب أو السفر للعلاج بسبب خلافات قانونية بحتة.

ومن الزوايا المهمة التي لا يجب تجاهلها، تنظيم مسألة الزواج الثاني. هناك اتجاه لفرض ضوابط، مثل إخطار الزوجة الأولى، وهو ما يهدف إلى تقليل حالات الغش والخداع. لكن هذا البند تحديدًا قد يثير جدلًا واسعًا، بين من يراه حماية لحقوق المرأة، ومن يعتبره تدخلًا في إطار شرعي منظم بالفعل.

ورغم كل هذه الملامح، تبقى الأزمة الحقيقية في التنفيذ. فالقانون الحالي لم يفشل بسبب نصوصه فقط، بل بسبب بطء الإجراءات، وضعف آليات التنفيذ، وغياب الردع الحقيقي. إذا لم يتضمن المشروع الجديد أدوات حاسمة، مثل رقمنة الإجراءات، وتسريع التقاضي، وتفعيل دور الشرطة القضائية، فإننا سنعيد إنتاج نفس الأزمة بشكل مختلف.

الأخطر من ذلك، أن أي قانون للأحوال الشخصية إذا لم يُبنَ على توافق مجتمعي واسع، سيتحول إلى مصدر انقسام لا إلى أداة استقرار. فالقضية ليست “انتصار الرجل” أو “انتصار المرأة”، بل إنقاذ الأسرة من الانهيار. التشريع يجب أن يكون فوق الصراعات، لا انعكاسًا لها.

في النهاية، مشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد يقف على مفترق طرق حقيقي. إما أن يكون خطوة جادة نحو تحقيق العدالة داخل الأسرة المصرية، أو تجربة جديدة تُضاف إلى قائمة القوانين التي لم تنجح في حل الأزمة. الرهان ليس على النصوص وحدها، بل على إرادة تطبيقها بعدل، ووعي مجتمع يدرك أن الأسرة ليست ساحة حرب، بل نواة بقاء الدولة نفسها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى