شهد مجلس النواب خلال جلساته الأخيرة حالة من الجدل الحاد والسجال الساخن حول المادة (105) من مشروع قانون الإجراءات الجنائية الجديد، بعد أن اعتبرها عدد من النواب والمعارضة البرلمانية مخالفة صريحة للدستور وتمثل مساسًا باستقلال السلطة القضائية، في حين تمسكت الحكومة بضرورة الإبقاء على النص المقترح باعتباره خطوة نحو تسريع العدالة وتخفيف العبء عن المحاكم.
خلاف محتدم تحت القبة
مع بداية مناقشة المادة، سادت حالة من التوتر داخل القاعة، بعدما اعترضت كتل برلمانية معارضة على الصياغة المقترحة، واعتبرتها منحًا غير مبرر للنيابة العامة لسلطات تتجاوز دورها الدستوري.
ورغم محاولات رئيس المجلس تهدئة الأجواء، إلا أن النقاش تطور إلى مشادات لفظية حادة بين نواب المعارضة وممثلي الحكومة، انتهت بانسحاب عدد من النواب احتجاجًا على ما وصفوه بـ”التغول على القضاء”.
وقال أحد النواب المعارضين إن المادة «تحول النيابة العامة من جهة اتهام إلى جهة حكم وتنفيذ، وهو ما يتنافى مع أبسط مبادئ العدالة».
تفاصيل المادة المثيرة للجدل
تنص المادة (105) من مشروع القانون على أن:
«للنائب العام أو من يفوضه من أعضاء النيابة العامة، في اقترنت التي لا تجاوز عقوبتها الحبس لمدة سنة، أن يأمر بوقف تنفيذ العقوبة أو استبدالها بتدبير احترازي أو غرامة، إذا اقتضت ظروف المتهم أو المصلحة العامة ذلك».
وترى الحكومة أن هذا النص جاء استجابة لتكدس القضايا البسيطة بالمحاكم والسجون، وأنه يهدف إلى تحقيق عدالة ناجزة وتخفيف العبء عن أجهزة القضاء، خاصة في القضايا ذات الطابع البسيط أو الإجرامي المحدود.
لكنّ معارضي المادة يعتبرونها بابًا خلفيًا للتدخل في اختصاص القاضي الطبيعي، إذ تمنح النيابة العامة سلطة تقديرية واسعة دون رقابة كافية، بما يهدد مبدأ الفصل بين السلطات الذي نص عليه الدستور المصري بوضوح.
نقيب المحامين: المادة تخالف الدستور وتمس جوهر العدالة
وفي تطور لافت، أعلن نقيب المحامين رفضه القاطع للمادة، مؤكدًا في بيان رسمي أمام لجنة الشؤون التشريعية والدستورية أن النص المقترح يهدر مبدأ المساواة أمام القانون ويقوّض ضمانات المحاكمة العادلة.
«هذه المادة تُفرغ الحكم القضائي من مضمونه، وتجعل من النيابة العامة خصمًا وحكمًا في الوقت ذاته، وهو ما يخالف روح العدالة ويصطدم بالمادة (184) من الدستور التي تنص على استقلال السلطة القضائية وعدم جواز تدخل أي سلطة في أعمالها.
كما شدد على أن النقابة لن تقف صامتة أمام أي تعديل يمس جوهر العدالة أو حقوق الدفاع، مطالبًا بإعادة صياغة المادة بما يتوافق مع الدستور ومبادئ العدالة الجنائية.
تدخل الحكومة ومحاولة التهدئة
وخلال الجلسة، حاول وزير العدل تهدئة الأجواء، مؤكدًا أن النص لا ينتقص من استقلال القضاء، بل يهدف إلى تحقيق مصلحة العدالة وتسريع التقاضي في القضايا البسيطة التي لا تتجاوز عقوبتها الحبس لعام واحد.
وأضاف الوزير أن القرار الصادر من النيابة في هذه الحالات سيكون مسببًا ومكتوبًا وخاضعًا للرقابة القضائية، وهو ما يضمن الشفافية ويمنع أي تعسف في استخدام السلطة.
بعد نقاش امتد لساعات، توصل المجلس إلى توافق جزئي يقضي بإضافة فقرة جديدة تلزم النيابة بتسبيب القرار وإخضاعه لمراجعة قضائية، إلا أن جوهر المادة ظل كما هو، ما أثار استمرار تحفظات بعض النواب.
انسحاب المعارضة وإقرار المادة بالأغلبية
وعقب انسحاب مجموعة من النواب المعارضين احتجاجًا على تمرير النص دون تعديلات جوهرية، مضى المجلس في التصويت، لتتم الموافقة على المادة بأغلبية الأعضاء الحاضرين.
وبذلك أُقرت المادة 105 لتصبح واحدة من أكثر المواد إثارة للجدل في تاريخ مناقشات القوانين داخل البرلمان، بعدما جمعت بين الاتهامات بـ«التغول الدستوري» والدفاع عنها باعتبارها «أداة إصلاح تشريعي».
قانون الإجراءات الجنائية الجديد.. بين التطوير والانتقادات
يُعد مشروع قانون الإجراءات الجنائية الحالي أضخم تعديل تشريعي منذ أكثر من خمسين عامًا، إذ يتضمن إعادة صياغة شاملة لمراحل التحقيق والمحاكمة وحقوق الدفاع.
ورغم الترحيب العام بمبدأ تطوير القانون، إلا أن معركة المادة 105 كشفت عن صراع مكتوم بين اتجاهين داخل الدولة:
الأول يدعو إلى المرونة وتسريع العدالة، والثاني يتمسك بـ الضمانات الدستورية الصارمة وعدم المساس باختصاص القضاء.
ويرى مراقبون أن تمرير المادة بهذا الشكل سيبقى قيد الجدل القانوني والسياسي لفترة طويلة، وأن الأيام المقبلة ستشهد طعونًا محتملة أمام المحكمة الدستورية إذا لم يتم تعديلها بما يحقق التوازن بين الكفاءة في التقاضي وصون مبدأ العدالة.
معركة المادة 105 لم تكن مجرد نقاش حول نص قانوني، بل كانت صدامًا بين فلسفتين في العدالة: إحداهما تسعى لتسريع الإجراءات، والأخرى تصون هيبة القضاء واستقلاله.
وبين هذين الاتجاهين، تبقى الحقيقة أن أي إصلاح تشريعي لا يكتمل إلا إذا احترم روح الدستور وضمانات العدالة التي لا تقبل المساومة.







