
ما حدث في كرداسة لم يكن “واقعة عابرة” يمكن طيّ صفحتها بخبر قصير أو بيان مقتضب، بل كان نموذجًا خطيرًا لكيف يمكن لفعل مستفز ومتهور أن يحوّل شارعًا هادئًا إلى ساحة ذعر ودماء. ملصقات تحمل علم إسرائيل في قلب منطقة شعبية، في توقيت بالغ الحساسية، ليست سلوكًا ساذجًا، بل قنبلة معنوية أُلقيت عمدًا في وجدان مجتمع يعرف جيدًا معنى الرمز وما يحمله من دلالات سياسية وتاريخية.
رد الفعل لم يتأخر. توتر، ارتباك، صرخات، ثم لحظة فقدان سيطرة انتهت بدهس ستة مواطنين وإصابتهم بكسور وجروح متفرقة. ستة بيوت دخلها الخوف، وستة أسر دفعت ثمن عبث لا يمكن تبريره تحت أي مسمى. الطريق ليس ساحة لتصفية الرسائل السياسية، ولا حلبة لاستعراض صدمات نفسية أو تصرفات رعناء.
التحرك السريع من أجهزة وزارة الداخلية، بقيادة السيد اللواء محمود توفيق وزير الداخلية، كشف ملابسات الواقعة وأزاح الغموض عنها. التحريات أوضحت أن المتسبب الرئيسي يعاني من اضطرابات نفسية، وأن فتاة قامت بطباعة الملصق بدافع الخوف. لكن التفسير لا يلغي المسؤولية. المرض النفسي يحتاج علاجًا ورقابة، والخوف لا يبرر إشعال فتيل أزمة في شارع مكتظ بالمواطنين.
الأخطر في المشهد أن البعض بات يتعامل مع الرموز الوطنية والقضايا المصيرية كأدوات للعبث أو “الترند”. القضية الفلسطينية بالنسبة للمصريين ليست شعارًا موسميًا، بل موقف راسخ في الوعي الجمعي. ومن يتعمد استفزاز هذا الوجدان إنما يراهن على إشعال الغضب، وهو رهان خاسر يدفع ثمنه الأبرياء.
القانون يجب أن يكون حاسمًا. ليس فقط في معاقبة من تسببوا بشكل مباشر في الواقعة، بل في توجيه رسالة واضحة بأن الفضاء العام له حرمة، وأن إثارة الفتن أو الاستفزاز العمدي تحت أي ذريعة لن يمر بلا حساب. الشارع ليس مختبرًا للتجارب النفسية، ولا منصة لرسائل غامضة.
ما جرى في كرداسة إنذار صارخ: الفوضى تبدأ بفكرة مستفزة، تتضخم برد فعل، وتنتهي بسيارات تدهس أجسادًا بريئة. وبين البداية والنهاية تضيع الحكمة. المطلوب اليوم وعيٌ مجتمعي أشد صرامة، ورقابة أسرية أكبر، وحسم قانوني لا يعرف المجاملة. لأن الاستفزاز حين يخرج إلى الطريق، يتحول من رأي شاذ إلى جريمة مكتملة الأركان.







