عاجلمقالات

حسين محمود يكتب: إيران بين قبضة العمامة وحدّ السيف

اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي لم يكن حدثًا عابرًا في دفتر الأخبار، بل زلزالًا سياسيًا ضرب قلب الجمهورية الإسلامية في أخطر توقيت. دولة تُدار بمنظومة شديدة المركزية، تقوم على شخص المرشد كمرجعية عليا دينية وسياسية وعسكرية، وجدت نفسها فجأة أمام فراغ لا يحتمل التردد ولا يسمح بالترف السياسي.

في مثل هذه اللحظات، لا تتحرك الأنظمة العقائدية بدافع العاطفة، بل بدافع البقاء. ومن هنا جاء الدفع باسم آية الله علي رضا أعرافي لقيادة المرحلة الحرجة. الاختيار لم يكن احتفاءً بشخصه، بل تحصينًا للمنظومة. أعرافي ليس رجل شعبية جماهيرية، ولا قائدًا ميدانيًا، لكنه رجل المؤسسة الصلب، ابن الحوزات، وصوت الانضباط الفقهي، وعضو مجلس الخبراء الذي يملك دستوريًا كلمة الفصل في اختيار المرشد.

الرسالة كانت حادة وواضحة: لا فراغ في قمة السلطة، ولا ارتباك في غرفة القرار. طهران أرادت أن تقول للداخل والخارج إن “ولاية الفقيه” ليست رهينة شخص، بل نظام مغلق بإحكام، يعيد إنتاج نفسه مهما سقطت الأسماء.

لكن المفاجأة الصادمة تمثلت في استبعاد حفيد مؤسس الجمهورية الإسلامية، روح الله الخميني، أي حسن الخميني. كثيرون راهنوا على أن الاسم العائلي سيُستدعى في لحظة الانكسار لتوحيد الصفوف تحت راية “الرمزية الثورية”. إلا أن النظام وجّه صفعة صريحة لكل من يظن أن إيران تُدار بعاطفة التاريخ.

الواقع أن حسن الخميني يُنظر إليه داخل دوائر متشددة باعتباره أقل حدة في الخطاب، وأكثر ميلًا لدوائر إصلاحية، بل إن بعض مواقفه السابقة لم تكن على هوى التيار المحافظ الصلب. وفي زمن الدم والتهديدات، لا تختار الأنظمة رجل تسويات، بل رجل انضباط عقائدي. المرحلة لا تتحمل رمزية ناعمة، بل تحتاج قبضة حديدية مغطاة بعمامة.

اختيار أعرافي إذًا هو قرار أمني بغطاء ديني. هو توازن دقيق بين الحرس الثوري والمؤسسة الفقهية، بين الرغبة في الثبات والخشية من الانقسام. الرجل يمثل “الخيار الآمن” الذي لا يفتح ملفات مراجعة، ولا يثير جدلًا داخليًا حول إعادة صياغة السياسات، بل يُبقي البوصلة في اتجاهها المعروف: التشدد، الصلابة، وإدارة الصراع لا الهروب منه.

إيران بعد خامنئي ليست كما قبله. المنطقة تغلي، والضغوط الدولية تتصاعد، وأي إشارة ضعف قد تُقرأ كدعوة مفتوحة لاختبار صلابة النظام. لذلك كان القرار واضحًا: إغلاق الصفوف، وأد أي طموح مبكر، وقطع الطريق على صراع أجنحة قد يحول لحظة الحداد إلى ساحة اقتتال سياسي.

المرحلة القادمة ستكون امتحانًا قاسيًا. فإذا استطاع أعرافي أن يفرض هيبته ويحافظ على تماسك الداخل، فسيتحول من “مرشد انتقالي” إلى رقم دائم في معادلة السلطة. أما إذا اهتزت الجبهة الداخلية، فستتكشف صراعات كانت مؤجلة تحت سقف خامنئي، وقد تعيد رسم ملامح النظام نفسه.

في السياسة، لا مكان للفراغ. وإيران، وهي تودع رجلًا حكمها بقبضة عقود، اختارت أن تبعث برسالة لا لبس فيها: العمامة ما زالت ممسكة بالسيف، وأي رهان على انهيار سريع هو وهم سياسي لن يتحقق بسهولة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى