
في عالم تتسارع فيه التكنولوجيا وتتزايد فيه ساعات الانشغال بالشاشات، تبرز تساؤلات حول طبيعة العلاقات الإنسانية ومدى قدرة الإنسان على الاحتفاظ بمشاعر التعاطف والرحمة وسط ضغوط الحياة اليومية. فبين تواصل افتراضي لا يتوقف وواقع يواجه فيه بعض الأفراد الفقر والحرمان والعزلة، تتسع المسافة بين الاتصال الإلكتروني والتواصل الإنساني الحقيقي.
ومن هذه الزاوية، تطرح المستشارة تهاني التري، في مقالها «سلام الشاشات وضمير الإنسانية المستتر»، قضية تراجع الحس الإنساني في المجتمعات المعاصرة، مسلطة الضوء على انعكاسات الانغماس في العالم الافتراضي، وتراجع التفاعل مع معاناة الآخرين، والحاجة إلى استعادة القيم الأخلاقية التي تحفظ للإنسان كرامته ومكانته.
العالم الافتراضي.. اتصال دائم وعزلة متزايدة
أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي جزءًا أساسيًا من الحياة اليومية، إذ أتاحت للأفراد التواصل وتبادل الأخبار والأفكار وتكوين العلاقات عبر المسافات. غير أن هذا الاتصال المستمر يثير تساؤلات بشأن تأثيره على العلاقات المباشرة داخل الأسرة والمجتمع.
وتشير الرؤية التي طرحتها المستشارة تهاني التري إلى مفارقة لافتة؛ فبينما يقضي البعض أوقاتًا طويلة في متابعة الشاشات والتفاعل مع المنشورات، قد يتراجع اهتمامهم بالحوار المباشر مع المحيطين بهم، حتى داخل المنزل الواحد.
وتبرز هنا أهمية تحقيق التوازن بين الاستفادة من التكنولوجيا والحفاظ على التواصل الإنساني، بما يضمن ألا تتحول الوسائل الرقمية إلى بديل عن المشاعر الصادقة والاهتمام الحقيقي بالآخرين.
غياب الرحمة.. حين يصبح اللين ضعفًا
وتناقش التري في مقالها التحولات التي قد تصيب منظومة القيم الاجتماعية، عندما يتراجع التعاطف ويصبح الاهتمام بالمصالح الشخصية أولوية على حساب مساندة الآخرين.
وتستخدم الكاتبة تعبير «الضمير المستتر» بوصفه استعارة لرحمة لم تعد تظهر بالقدر الكافي في السلوك اليومي، مشيرة إلى أن التسامح واللين ومراعاة ظروف الآخرين ليست علامات ضعف، بل قيم أساسية لاستقرار العلاقات الإنسانية.
وتعيد هذه القضية طرح سؤال جوهري: كيف يمكن للمجتمعات أن تحافظ على تماسكها في ظل تراجع التضامن، وتزايد النزعة الفردية، وضعف الاهتمام باحتياجات الفئات الأكثر هشاشة؟
تطبيع المأساة.. معاناة الفقراء والأطفال تحت المجهر
ومن أبرز المحاور التي تناولها المقال ظاهرة «تطبيع المأساة»، التي تعني الاعتياد على مشاهد الألم والمعاناة نتيجة تكرارها، بما قد يؤدي إلى تراجع الاستجابة العاطفية تجاهها.
وتلفت التري الانتباه إلى صور متعددة من المعاناة، بينها الفقر والتشرد والسكن غير الآمن، إلى جانب الأطفال الذين تدفعهم الظروف الاقتصادية الصعبة إلى العمل المبكر وتحمل أعباء تفوق أعمارهم.
وتؤكد هذه المشاهد أهمية الانتقال من مجرد التعاطف العابر إلى العمل المجتمعي الفعلي، من خلال دعم الأسر الأكثر احتياجًا، وتعزيز حماية الأطفال، والمساهمة في توفير فرص التعليم والحياة الكريمة.
فالمشكلة لا تكمن في مشاهدة المعاناة وحدها، بل في أن تتحول إلى مشهد متكرر يفقد تأثيره، دون أن تدفع المشاهد إلى التفكير في أسبابها أو سبل التعامل معها.
«لا أرى.. لا أسمع.. لا أتكلم».. الانسحاب من المسؤولية
ويتناول المقال كذلك الميل إلى تجاهل المشكلات الاجتماعية والابتعاد عن القضايا التي تتطلب موقفًا إنسانيًا أو مسؤولية أخلاقية، في صورة تختصرها عبارة «لا أرى، لا أسمع، لا أتكلم».
وتشير هذه الصورة إلى مخاطر الصمت أمام الظلم، وتجاهل احتياجات المحتاجين، والامتناع عن مساندة أصحاب الحقوق خشية تحمل تبعات الموقف.
وفي المقابل، تبرز الحاجة إلى تعزيز ثقافة المبادرة الإيجابية، وتشجيع الأفراد على المساهمة في معالجة المشكلات المحيطة بهم، سواء من خلال العمل التطوعي، أو دعم المبادرات المجتمعية، أو نشر الوعي بالقضايا الإنسانية.
التكنولوجيا ليست بديلًا عن الضمير الإنساني
ولا تتعلق القضية برفض التكنولوجيا أو التقليل من فوائدها، بل بكيفية استخدامها دون أن تطغى على العلاقات الواقعية أو تقلل من إحساس الإنسان بمسؤولياته تجاه الآخرين.
فوسائل التواصل قادرة على نشر الوعي، وتعبئة الدعم للحالات الإنسانية، وتسليط الضوء على المشكلات التي قد لا تحظى بالاهتمام الكافي. لكن تحويل هذا التأثير إلى نتائج ملموسة يتطلب تجاوز التفاعل الإلكتروني إلى المبادرة والعمل والمساندة الفعلية.
ومن ثم، فإن التحدي الحقيقي يتمثل في توظيف التكنولوجيا لخدمة الإنسان، بدلًا من أن يصبح الإنسان أسيرًا للشاشة، منفصلًا عن محيطه الاجتماعي واحتياجات مجتمعه.
استعادة البوصلة الأخلاقية.. كيف تعود الرحمة إلى الحياة اليومية؟
تخلص الرؤية التي طرحتها المستشارة تهاني التري إلى أن المجتمعات بحاجة إلى إعادة الاعتبار للقيم الإنسانية، وفي مقدمتها الرحمة والتكافل والتسامح واحترام كرامة الإنسان.
وتبدأ هذه الخطوة من ممارسات يومية بسيطة، مثل الاهتمام بأفراد الأسرة، والاستماع إلى الآخرين، ومساندة المحتاجين، وعدم تجاهل معاناة الفئات الضعيفة، إلى جانب دعم المبادرات التي تستهدف تحسين ظروف المعيشة وحماية الأطفال.
فالرحمة لا تكتمل بمجرد التعبير عنها في الكلمات أو المنشورات، وإنما تظهر قيمتها الحقيقية عندما تتحول إلى سلوك وموقف ومساعدة ملموسة.
الخلاصة.. من سلام الشاشات إلى دفء الإنسانية
يعيد مقال «سلام الشاشات وضمير الإنسانية المستتر» للمستشارة تهاني التري طرح قضية العلاقة بين التكنولوجيا والقيم الاجتماعية، محذرًا من أن الاتصال الافتراضي، مهما اتسع، لا يعوض غياب التعاطف والتواصل الحقيقي.
وتبقى الرسالة الأساسية أن سلام الإنسان لا يتحقق بالابتعاد عن الواقع أو الاكتفاء بالتفاعل عبر الشاشات، بل بالقدرة على رؤية معاناة الآخرين والاستجابة لها، وتحويل الرحمة من قيمة كامنة في الضمير إلى فعل واضح ينعكس على حياة الناس.
فحين تصبح الإنسانية ممارسة يومية، لا مجرد كلمات متداولة، يمكن أن تستعيد العلاقات الاجتماعية دفئها، ويصبح التقدم التكنولوجي وسيلة لخدمة الإنسان لا سببًا في عزلته.






