
أثار إعفاء ماديحة خيير من مهامها الوزارية، بعد يومين فقط من تعيينها، نقاشًا واسعًا حول معايير اختيار المرشحين للاستوزار، ومسؤولية الأحزاب عن الأسماء التي تقترحها، ومدى فعالية إجراءات التحقق التي تسبق إسناد المسؤوليات العمومية.
ولا يمكن قراءة هذه الواقعة من زاوية الإعفاء وحده، أو اختزالها في الجدل الذي رافق اسم الوزيرة السابقة، بل تستدعي العودة إلى المرحلة التي سبقت التعيين، حيث تُتخذ قرارات الترشيح، وتتوزع الصلاحيات بين القيادة الحزبية والهيئات التنظيمية، قبل انتقال الاختيارات إلى مستوى القرار الحكومي والمؤسسات الدستورية.
ومن هنا، لا ينحصر السؤال في أسباب الإعفاء، بل يمتد إلى كيفية اختيار المرشحة، والمعايير التي حكمت ترشيحها، والجهات التي شاركت في اتخاذ القرار، وحدود المسؤولية السياسية لكل منها. كما يطرح النقاش تساؤلات بشأن مدى مشروعية إقحام المؤسسات الأمنية في دائرة الجدل، ما لم تتوافر وقائع موثوقة تحدد طبيعة اختصاصاتها وصلتها المباشرة بالملف.
المسؤولية السياسية تبدأ قبل التعيين
في محاضرته الشهيرة «السياسة بوصفها حرفة»، ميّز عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر بين أخلاق الاقتناع وأخلاق المسؤولية. ويكتسب هذا التمييز أهمية في تحليل القرارات السياسية، لأن المسؤولية لا تتعلق بالنوايا المعلنة وحدها، بل تشمل تقدير العواقب المحتملة، والاستعداد لتحمل تبعات القرارات في ضوء المعلومات المتاحة وقت اتخاذها.
وبتطبيق هذا المنظور على واقعة إعفاء ماديحة خيير، ينتقل النقاش من تقييم النتيجة النهائية إلى مساءلة المسار الذي أفضى إلى الاختيار، ومدى قدرة الجهات المعنية على تقدير المخاطر المحتملة قبل إعلان التعيين.
ومع ذلك، فإن وقوع أزمة بعد اتخاذ قرار سياسي لا يثبت، في حد ذاته، أن الاختيار كان خاطئًا أو أن جهة بعينها قصّرت في أداء واجبها. فالتقييم الموضوعي يقتضي التمييز بين المعلومات التي كانت متاحة قبل التعيين، والمعطيات التي ظهرت لاحقًا، ومدى تعامل الجهات المعنية مع كل منها.
وتتحمل الأحزاب السياسية مسؤولية أساسية في هذا السياق، فهي لا تقتصر على التنافس الانتخابي أو المشاركة في تشكيل الحكومات، بل تضطلع أيضًا بدور محوري في إعداد النخب واختيار المرشحين لتولي المسؤوليات العمومية.
ومن ثم، فإن مسؤوليتها لا تنتهي عند تقديم الأسماء، بل تشمل وضوح معايير الاختيار، واحترام المساطر التنظيمية، وتحديد صلاحيات الهيئات المعنية، والقدرة على تفسير القرارات التي تتخذها قياداتها.
ولا يعني ذلك أن كل إعفاء أو أزمة لاحقة يكشفان بالضرورة عن تقصير حزبي، أو أن الحزب الذي اقترح المرشح يتحمل وحده جميع النتائج المترتبة على تعيينه. لكن هذا التحفظ لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة لتجنب المساءلة، خصوصًا عندما تثير الاختيارات السياسية تساؤلات جدية بشأن الثقة في المؤسسات وفعالية آليات اتخاذ القرار.
الأحزاب و«الصندوق الأسود» لاختيار المرشحين
تقدم أدبيات علم السياسة مدخلًا مهمًا لفهم هذه القضية من خلال دراسة آليات اختيار المرشحين داخل الأحزاب. ففي دراسة Political Parties and Candidate Selection، المنشورة عام 2018 ضمن موسوعة أكسفورد للبحوث السياسية، يبرز غيديون راهات وويليام ب. كروس أهمية هذه الآليات في فهم موازين القوى داخل الأحزاب، وطبيعة التمثيل السياسي، والعلاقة بين القيادة والهيئات التنظيمية.
وتكشف هذه المقاربة أن اختيار المرشحين ليس إجراءً إداريًا عابرًا، بل محطة تتحدد من خلالها طبيعة السلطة داخل التنظيمات الحزبية، وحدود المشاركة في اتخاذ القرار، ومدى خضوع الاختيارات للمناقشة والرقابة الداخلية.
وفي ضوء ذلك، يرتبط الجدل بشأن ترشيح ماديحة خيير أيضًا بكيفية تدبير حزب الاستقلال لملف الاستوزار، وحدود الصلاحيات التي يمارسها أمينه العام نزار بركة، وطبيعة الدور الذي تؤديه الهيئات التنظيمية في مناقشة الأسماء المقترحة.
وقد نقلت وسائل إعلام عن مصادر من داخل الحزب معطيات تتعلق بكيفية تدبير ملف الترشيحات، ومدى إشراك أعضاء اللجنة التنفيذية في مناقشة الأسماء، فضلًا عن تساؤلات بشأن اختصاصات لجنة الأخلاقيات والسلوك. غير أن هذه الروايات تظل منسوبة إلى مصادرها، ولا تكفي وحدها للحسم في طبيعة المساطر التي اعتُمدت فعليًا أو مدى احترامها.
والحسم في هذه المسألة يتطلب الرجوع إلى النظام الأساسي والأنظمة الداخلية للحزب، وتحديد الاختصاصات الفعلية لكل هيئة، ثم مقارنة القواعد المنظمة بما جرى تطبيقه في حالة الترشيح المعني.
فالمطلوب ليس إصدار أحكام مسبقة على أشخاص بعينهم، بل الإجابة عن أسئلة واضحة: من امتلك سلطة الاقتراح؟ وما المعايير التي استند إليها؟ وهل خضع القرار للمناقشة وفق القواعد التنظيمية؟ وما الآليات المتاحة لمراجعته إذا ظهرت معطيات جديدة؟
إن وضوح هذه الإجراءات لا يمثل شأنًا داخليًا محضًا، ما دامت اختيارات الأحزاب المشاركة في الحكومة تترتب عليها آثار تتصل بتدبير الشأن العام والثقة في المؤسسات.
المسؤولية الحكومية وحدود الاختصاص الدستوري
تفرض الواقعة التمييز بين مسؤولية الحزب عن اقتراح المرشحة، ومسؤولية الجهات التي تتخذ القرارات الرسمية وفق اختصاصاتها الدستورية والقانونية.
وفي هذا السياق، أعلن الديوان الملكي موافقة الملك محمد السادس على طلب رئيسة الحكومة إنهاء مهام الوزيرة المنتدبة، استنادًا إلى الفصل 47 من الدستور المغربي. كما نُقلت تصريحات حكومية بشأن التعامل مع القضية في إطار التقدير السياسي والمؤسساتي.
وتوضح هذه المعطيات المسار الرسمي لإنهاء المهام، لكنها لا تقدم وحدها إجابة كاملة عن الأسئلة المتعلقة بمرحلة اختيار المرشحة. فسلامة المسطرة الدستورية للإعفاء مسألة تختلف عن كفاية إجراءات التحقق التي سبقت التعيين، كما أن إنهاء المهام لا يشكل، في حد ذاته، دليلًا على وجود تقصير في عملية الترشيح.
وهنا تبرز أهمية التمييز بين المسؤولية القانونية والمسؤولية السياسية. فالمسؤولية القانونية تستلزم تحديد القاعدة القانونية ذات الصلة، والتحقق من وقوع مخالفة وفق الإجراءات المختصة، بينما تتيح المساءلة السياسية تقييم معايير الاختيار، وفعالية القرار، ومدى قدرة الجهات المعنية على تفسير مواقفها وتحمل تبعاتها.
ولا يشترط لطرح أسئلة مشروعة بشأن المسؤولية السياسية صدور حكم قضائي، مثلما لا يجوز تحويل النقاش السياسي إلى اتهام قانوني من دون أدلة كافية. فلكل مسار معاييره وضماناته، والخلط بينهما يضر بجودة النقاش العام.
المؤسسات الأمنية ليست طرفًا بديلًا في القرار السياسي
أعاد الجدل المحيط بالإعفاء طرح مسألة حدود المسؤولية المنسوبة إلى المؤسسات الأمنية، ومدى مشروعية تحميلها تبعات اختيارات سياسية لا تدخل بالضرورة ضمن اختصاصاتها.
والقاعدة المؤسساتية هنا واضحة: لا يمكن إسناد المسؤولية إلى أي جهة قبل تحديد اختصاصها القانوني، وطبيعة الدور الذي تؤديه، ومدى صلتها الفعلية بالقرار محل النقاش.
فالمؤسسات الأمنية لا تحل محل الأحزاب في اختيار مرشحيها، ولا تحل محل الجهات الدستورية المختصة في اتخاذ القرارات السياسية الرسمية. كما أن مجرد ظهور معطيات مثيرة للجدل بشأن أحد المرشحين لا يثبت أن مؤسسة أمنية قصّرت في أداء واجبها.
وفي المقابل، فإن ربط المسؤولية بالاختصاص لا يعني استبعاد أي جهة من المساءلة إذا ظهرت أدلة موثوقة على إخلال محدد يدخل ضمن صلاحياتها القانونية. المطلوب هو تحديد المسؤولية بناءً على الوقائع، لا بناءً على الافتراضات أو الربط غير المثبت بين المؤسسات والأزمة.
ومن ثم، فإن الدعوة إلى إبعاد المؤسسات الأمنية عن التجاذبات السياسية ينبغي أن تقترن برفض تحميلها مسؤولية اختيارات حزبية أو حكومية من دون دليل واضح. فالمساءلة المؤسسية لا تعني توزيع الاتهامات على جميع الأطراف، بل تحديد الجهة التي اتخذت القرار، والجهات التي شاركت فيه، والمسؤولية الفعلية لكل منها.
التدقيق قبل التعيين بين متطلبات المسؤولية وضمانات الحقوق
رافق الجدل المتعلق بالتعيين تداول وثيقة طبية قديمة ومعطيات مرتبطة بملف قضائي سابق. ويستدعي تناول هذه العناصر قدرًا كبيرًا من الدقة، إذ إن تداول وثيقة لا يثبت وحده صحتها أو حجيتها القانونية، كما أن المعلومات المنشورة لا تكفي، من دون الرجوع إلى مصادر أصلية وموثوقة، للجزم بمضمون الملف القضائي أو بوضعه القانوني.
ولا ينبغي أن يتحول النقاش بشأن معايير الاستوزار إلى محاكمة إعلامية للحياة الخاصة للأشخاص، أو إلى افتراض عدم أهليتهم لتولي المسؤوليات العمومية استنادًا إلى معلومات غير مكتملة أو غير متحقق منها.
فالمعطيات الطبية والقضائية لها سياقاتها وضوابطها القانونية، ولا يجوز استخلاص أحكام بشأن الأهلية أو المسؤولية من مجرد تداول وثائق أو روايات لا تتوافر بشأنها معلومات كافية.
وفي الوقت نفسه، لا يلغي احترام الخصوصية مشروعية مناقشة سلامة الاختيارات الحكومية، ولا يعفي الجهات المعنية من اعتماد إجراءات تحقق قانونية ومتناسبة بشأن المعلومات التي ترتبط فعليًا بمتطلبات المنصب.
ويقتضي ذلك تحديد المعايير ذات الصلة بالمسؤولية العمومية، والجهات المخولة بالتحقق منها، والضمانات التي تحكم جمع المعلومات ومعالجتها، مع احترام الحقوق الأساسية وعدم التوسع في استخدام معطيات لا ترتبط مباشرة بأهلية المرشح.
وعليه، فإن السؤال المؤسسي الأهم ليس افتراض أن كل معلومة متداولة كانت معروفة قبل التعيين، بل التحقق من وجود إجراءات واضحة ومناسبة للتعامل مع المعلومات ذات الصلة، ومعرفة ما كان متاحًا بالفعل للجهات المعنية، وتوقيت توفره، وحدود صلاحياتها في التعامل معه.
من تدبير الأزمة إلى إصلاح آليات الاختيار
إذا كان إنهاء المهام قد مثّل استجابة رسمية للأزمة، فإن الدرس المؤسساتي الأوسع يتعلق بما ينبغي أن يحدث قبل التعيين، لا بعده فقط.
فمثل هذه الوقائع تتيح فرصة لمراجعة إجراءات الانتقاء، وتوضيح المسؤوليات داخل الأحزاب، وتعزيز الشفافية في تدبير الترشيحات، ووضع آليات تسمح بالتعامل مع المعطيات المستجدة وفق القانون والاختصاص.
ولا يتعلق الأمر بفرض مساطر شكلية إضافية، بل بضمان وضوح المسار الذي يفضي إلى القرار، وتحديد الجهة التي تملك صلاحية اتخاذه، وتوفير آليات تسمح بتقييم الاختيارات ومراجعتها عند الاقتضاء.
وفي هذا الإطار، يمكن مساءلة حزب الاستقلال عن معايير تدبير ملف الاستوزار وآليات اقتراح المرشحين، من دون افتراض أن الإعفاء يثبت وحده وجود تقصير من قيادته. كما يمكن تقييم تعامل الحكومة مع الأزمة، مع الفصل بين سلامة المسطرة الدستورية لإنهاء المهام ومدى كفاية الإجراءات التي سبقت التعيين.
ويظل الإصلاح الحقيقي مرتبطًا بتعزيز الشفافية الداخلية للأحزاب، وتوضيح أدوار هيئاتها التنظيمية، وتحديد معايير اختيار المرشحين، بما يضمن التوازن بين صلاحيات القيادة الحزبية ومتطلبات الرقابة والمساءلة.
الخلاصة: المسؤولية تبدأ من الاختيار
لا تكمن أهمية واقعة إعفاء ماديحة خيير في إصدار أحكام سريعة على الأشخاص أو المؤسسات، بل في تحويلها إلى مناسبة لطرح أسئلة قابلة للتحقق بشأن كيفية اتخاذ القرار، وتوزيع الصلاحيات، وفعالية الرقابة الداخلية، ووضوح المعايير التي تضبط اختيار من يتولون المسؤوليات العمومية.
فالحزب الذي يقترح مرشحًا يتحمل مسؤولية سياسية عن معايير اقتراحه، والجهة التي تتخذ القرار الرسمي تتحمل مسؤوليتها في حدود اختصاصها، وأي ادعاء بشأن تقصير جهة أخرى يجب أن يستند إلى وقائع موثوقة، لا إلى مجرد الربط بين الأزمة والمؤسسات التي قد تكون لها صلة بالملف.
إن جودة الممارسة السياسية لا تُقاس بقدرة المؤسسات على احتواء الأزمات بعد وقوعها فحسب، بل أيضًا بمدى وضوح الإجراءات التي تسبق القرارات، وشفافية الاختيار، وإمكانية تحديد المسؤولية عن كل مرحلة من مراحله.
فالمساءلة السياسية لا تبدأ عند وقوع الأزمة، بل من اللحظة التي يُطرح فيها الاسم، وتُحدَّد فيها معايير الاختيار، وتُمارَس فيها صلاحيات الترشيح. والأحزاب، باعتبارها بوابة أساسية لإعداد النخب وتقديم المرشحين، مطالبة بأن تجعل هذه العملية أكثر وضوحًا وشفافية، فيما تظل محاسبة سائر المؤسسات مرتبطة باختصاصاتها والوقائع الثابتة بشأن أدوارها.







