عاجلمقالات

إبراهيم فياض يكتب: ماذا بعد حرب إيران وواشنطن

زلزال طهران يشعل حربا مفتوحة مع واشنطن ويضع الخليج على صفيح ساخن

رفع مستوى التأهب إلى الحد الأقصى، هكذا بدت الصورة فى الإقليم مع تسارع الأحداث بين طهران وواشنطن وتل أبيب، فى مشهد غير مسبوق منذ عقود. المنطقة التى اعتادت التوتر تعيش الآن لحظة فارقة، بعد إعلان مقتل المرشد الأعلى الإيرانى آية الله على خامنئى فى غارات أمريكية وإسرائيلية متزامنة، وما تبع ذلك من ردود نارية وتهديدات مفتوحة على كل الاحتمالات.

فى طهران، سادت حالة من الضبابية والارتباك، قبل أن تؤكد وسائل إعلام رسمية نبأ مقتل خامنئى، البالغ من العمر 86 عاما، فى ضربة جوية استهدفت مقرا كان يعقد فيه اجتماعا مع عدد من كبار مساعديه. ولم تمض ساعات حتى أُعلن أيضا مقتل رئيس أركان القوات المسلحة الإيرانية عبد الرحيم موسوى، فى ضربة وُصفت بأنها استهدفت رأس المنظومة العسكرية دفعة واحدة.

القيادة الإيرانية سارعت إلى احتواء الفراغ، فأعلن أمين المجلس الأعلى للأمن القومى على لاريجانى تشكيل مجلس قيادة مؤقت لإدارة المرحلة الانتقالية، محذرا ما سماها «الجماعات الانفصالية» من أى تحرك قد يستغل الظرف الدقيق، ومتوعدا برد قاس على أى محاولة لزعزعة وحدة الدولة. فى المقابل، خرج رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف برسالة مباشرة إلى الرئيس الأمريكى دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو، مؤكدا أن ما جرى «تجاوز للخطوط الحمراء» وأن الثمن سيكون باهظا.

فى واشنطن، لم يتراجع الخطاب. ترامب أكد أن بلاده ستضرب إيران «بقوة لم يسبق لها مثيل» إذا أقدمت على أى رد واسع، مشددا على أن الهدف هو إنهاء التهديد النووى والصاروخى الإيرانى. وفى تل أبيب، أعلنت إسرائيل مواصلة استهداف البنية التحتية للصواريخ الباليستية وأنظمة الدفاع الجوى الإيرانية، مع تأكيد مصادر مطلعة أن الاستراتيجية العسكرية الأمريكية لم يطرأ عليها أى تغيير بعد مقتل خامنئى.

لكن الرد الإيرانى لم يتأخر. الحرس الثورى الإسلامى تعهد بأكبر هجوم على القواعد الأمريكية وإسرائيل، وأطلقت طهران بالفعل مئات الصواريخ والطائرات المسيّرة نحو أهداف فى إسرائيل ودول خليجية تستضيف قواعد أمريكية. دوت صفارات الإنذار فى مدن إسرائيلية عدة، بينما تصاعدت أعمدة الدخان فوق مواقع حيوية فى الخليج، وتضررت منشآت ومطارات فى موجة هزت قطاع الطيران العالمى وأربكت حركة الملاحة.

الضربة الأخطر تمثلت فى إعلان طهران إغلاق مضيق هرمز، الشريان الذى يمر عبره نحو خمس استهلاك النفط العالمى. القرار أشعل مخاوف الأسواق من قفزة حادة فى أسعار الخام، ودفع شركات شحن ومالكى ناقلات إلى تعليق عبورهم مؤقتا. ويأتى ذلك بينما يستعد كبار منتجى النفط فى تحالف أوبك+ لاجتماع حاسم قد يضطرهم إلى إعادة النظر فى مستويات الإنتاج لمواجهة صدمة محتملة.

فى هذا السياق المتفجر، يرى المهندس مصطفى التمساح، رئيس الاتحاد الإفريقى للتكامل الاقتصادى، أن ما يجرى «ليس مجرد جولة تصعيد عسكرية، بل إعادة رسم لخريطة التوازنات فى الشرق الأوسط». ويؤكد أن إغلاق مضيق هرمز، حتى لو كان مؤقتا، يوجه رسالة بأن أمن الطاقة العالمى بات رهينة الحسابات العسكرية، محذرا من أن الاقتصاديات الإفريقية الناشئة ستكون من أكثر المتضررين إذا استمر الارتفاع الحاد فى أسعار النفط والشحن.

ويضيف التمساح أن الولايات المتحدة تراهن على إحداث صدمة استراتيجية داخل بنية النظام الإيرانى، عبر استهداف قياداته العليا، «لكن التاريخ يثبت أن الضربات التى تستهدف الرؤوس لا تعنى بالضرورة سقوط الجسد». ويشير إلى أن الحرس الثورى يمتلك شبكة نفوذ واسعة داخليا وإقليميا، ما يجعل أى رهان على انهيار سريع للنظام محفوفا بالمخاطر.

من جانبها، تعتبر الناشطة السياسية رشا فتحى أن المشهد الحالى يكشف عن لحظة انكشاف غير مسبوقة داخل إيران. وتوضح أن الضغوط الاقتصادية المتراكمة، والعقوبات، والاحتجاجات التى شهدتها البلاد فى السنوات الأخيرة، خلقت بيئة داخلية قابلة للاهتزاز. لكنها تحذر فى الوقت نفسه من أن «التهديد الخارجى غالبا ما يعيد توحيد الصفوف فى الداخل، ولو مؤقتا»، معتبرة أن دعوات واشنطن وتل أبيب للإيرانيين للنزول وإسقاط النظام قد تأتى بنتائج عكسية.

وتلفت فتحى إلى أن المنطقة بأكملها تدفع ثمن صراع مفتوح بين مشروعين؛ مشروع أمريكى يسعى لتكريس الهيمنة ومنع أى قوة إقليمية من امتلاك أدوات ردع استراتيجية، ومشروع إيرانى بنى نفوذه عبر شبكات إقليمية ممتدة. وبين المشروعين، تقف دول الخليج فى مرمى النيران، تحاول حماية منشآتها الحيوية وأسواقها، بينما تراقب بحذر مسار التصعيد.

اللافت أن بعض الشوارع الإيرانية شهدت مظاهر متباينة؛ ففى حين خرج مؤيدون للنظام ينددون بالهجمات، تداولت منصات التواصل مقاطع لاحتفالات فى مدن عدة بعد انتشار أنباء مقتل خامنئى. ورغم صعوبة التحقق من كل المقاطع، فإنها تعكس حالة انقسام عميقة داخل المجتمع الإيرانى، قد تكون لها تداعيات بعيدة المدى.

يبقى السؤال الأكبر: إلى أين يتجه هذا المسار؟ المؤشرات الحالية تقول إن الطرفين يختبران حدود القوة والردع، دون أن يظهرا استعدادا للتراجع السريع. وفى ظل غياب قنوات تهدئة معلنة، وتراكم الحسابات الانتقامية، تبدو المنطقة أمام منعطف تاريخى قد يعيد تشكيل خرائط النفوذ والتحالفات لسنوات مقبلة.

بين تهديدات غير مسبوقة، وضربات متبادلة، ومضيق مغلق، وأسواق قلقة، يقف الشرق الأوسط على حافة انفجار واسع. وما لم تتدخل وساطات دولية فاعلة لاحتواء الموقف، فإن شرارة الأيام الحالية قد تتحول إلى حريق إقليمى تتجاوز آثاره حدود الجغرافيا إلى الاقتصاد العالمى بأسره

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى