في واحدة من أبشع الجرائم التي هزّت الرأي العام المصري، تعود قضية “طفل الصاروخ الكهربائي” بالإسماعيلية إلى الواجهة مجددًا بعد ظهور تفاصيل جديدة كشفت عنها تحقيقات الأجهزة الأمنية، لتكشف جانبًا مظلمًا من مأساة مجتمعية صنعها الانفلات الرقمي وضعف الرقابة الأسرية.
القصة بدأت حين تلقى مديرية أمن الإسماعيلية بلاغًا يفيد بمصرع طفل يبلغ من العمر 13 عامًا، داخل منزله، إثر استخدامه ما يُعرف بين الأطفال بـ”الصاروخ الكهربائي” – وهو أداة خطيرة يتم توصيلها بالكهرباء وتشبه في تكوينها الألعاب النارية – كان يحاول تقليد تجربة شاهدها على إحدى المنصات الإلكترونية.
التحريات التي قادها فريق من قطاع الأمن العام بالتنسيق مع مباحث الإسماعيلية، كشفت أن الطفل لم يكن أول ضحية لتلك اللعبة القاتلة، التي انتشرت بين المراهقين مؤخرًا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، حيث تُقدَّم على أنها تجربة مثيرة أو “تحدي” جديد يختبر الشجاعة، دون إدراك مخاطرها الكارثية.
وأوضحت التحقيقات أن الطفل اشترى المكونات عبر الإنترنت، وشغف التجربة جعله يعيد تصنيعها في منزله دون علم أسرته. لحظات معدودة كانت كفيلة بتحويل الفضول إلى مأساة، إذ صُعق الطفل بتيار كهربائي قوي أدى إلى توقف القلب فورًا.
المفاجأة الأكبر جاءت مع ضبط أجهزة الأمن لشخصين تورطا في بيع وترويج تلك الأدوات الكهربائية على صفحات التواصل الاجتماعي، وتمت إحالتهم للنيابة العامة التي أمرت بحبسهم على ذمة التحقيقات، مع تتبع باقي الشبكة المسؤولة عن تسويق هذه “الألعاب القاتلة”.
الخبراء حذروا من أن ما حدث في الإسماعيلية ليس حادثًا عابرًا، بل جرس إنذار خطير يفرض على المجتمع بأكمله وقفة حقيقية أمام ظاهرة “التحديات الإلكترونية” التي تغزو عقول الصغار، وتحول الهواتف المحمولة إلى أدوات موت صامت.
وأكدت مصادر أمنية أن وزارة الداخلية تكثف حملاتها لرصد الصفحات والمجموعات الإلكترونية التي تروج لتلك المحتويات المميتة، بالتنسيق مع إدارة مكافحة جرائم تقنية المعلومات، في إطار توجيهات صارمة بملاحقة كل من يعبث بعقول الأطفال أو يعرّض حياتهم للخطر.
من جانبهم، شدد الخبراء التربويون والنفسيون على أن الحل يبدأ من داخل الأسرة، عبر المتابعة الدقيقة لاستخدام الأبناء للهواتف، وتثقيفهم بخطورة التقليد الأعمى للمحتوى الرقمي المنتشر، الذي أصبح يصنع جرائم بلا وعي.
القضية لا تتعلق بطفل فقد حياته فقط، بل بمجتمع يواجه جريمة جديدة تولد من رحم التكنولوجيا المنفلتة. وبينما تواصل الأجهزة الأمنية والنيابة العامة تحقيقاتها لكشف كافة خيوط القضية، تبقى الرسالة الأهم: “لا تتركوا أبناءكم وحدهم أمام الشاشات.. فالموت أحيانًا يأتي من لمسة إصبع.”






