عاجلمقالات

حسين محمود يكتب: كرموز.. جريمة تهز الضمير وتفضح صمت الخطر

ما حدث داخل شقة كرموز في الإسكندرية ليس مجرد جريمة أسرية مروعة، بل انهيار كامل لكل ما يمكن أن نسميه إنسانية أو حتى غريزة البقاء. نحن أمام واقعة تُكتب بحروف من دم، وتكشف بلا مواربة أن هناك قنابل موقوتة تعيش بيننا في صمت قاتل.

السيناريو الذي تكشّف يحمل من القسوة ما يفوق الوصف: أشقاء يجهزون على بعضهم البعض، وأم تُجبر على مشاهدة أبنائها وهم يُقتلون أمام عينيها، قبل أن تطلب الموت بنفسها هروبًا من مشهد لا يحتمله عقل أو قلب. هذه ليست لحظة جنون عابرة، بل انفجار كارثي لتراكمات خطيرة تم تجاهلها حتى وصلت إلى نقطة اللاعودة.

الحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح وبدون تجميل: ما حدث هو نتيجة مباشرة للإهمال، والتجاهل، وغياب الرقابة الأسرية والمجتمعية. لا يمكن أن تتحول أسرة كاملة إلى مسرح دموي في لحظة دون مقدمات. كانت هناك مؤشرات، كانت هناك علامات خلل، لكن الجميع اختار الصمت… أو العجز… أو الهروب.

الأمر هنا يتجاوز الجريمة الجنائية إلى كارثة مجتمعية مكتملة الأركان. أين كانت المتابعة؟ أين كان التدخل المبكر؟ كيف يمكن أن تصل اضطرابات نفسية أو سلوكيات عنيفة إلى هذا الحد دون أن يطرق أحد باب الخطر؟ الصمت في مثل هذه الحالات ليس حيادًا… بل شراكة غير مباشرة في الكارثة.

ولا يمكن إغفال احتمالات تعاطي مواد مخدرة أو اضطرابات عقلية حادة، وهي عوامل أصبحت شبحًا يهدد آلاف الأسر، في ظل غياب الوعي الكافي وندرة اللجوء إلى العلاج النفسي، بسبب ثقافة مجتمعية ما زالت تنكر المرض حتى يتحول إلى مأساة.

الأخطر أن مثل هذه الجرائم تكشف هشاشة بعض البيوت من الداخل، حيث تتحول الأسرة من ملاذ آمن إلى بيئة طاردة، مليئة بالاحتقان، والعنف المكبوت، والضغوط التي لا تجد متنفسًا إلا في الانفجار الدموي.

الدولة تبذل جهودًا كبيرة في مواجهة الجريمة، لكن الحقيقة الصادمة أن بعض الجرائم تبدأ من داخل الجدران المغلقة، قبل أن تصل إلى يد القانون. وهنا يصبح الوعي المجتمعي، والدعم النفسي، والتدخل المبكر، خطوط الدفاع الأولى التي لا تقل أهمية عن أي إجراء أمني.

مأساة كرموز ليست حادثة عابرة، بل إنذار أخير. إنذار يقول إننا أمام خطر حقيقي يتسلل إلى بعض البيوت في صمت، وإن تجاهله لم يعد خيارًا. فإما أن نواجه هذه الظواهر بصرامة ووعي، أو ننتظر مآسي جديدة تُكتب بنفس الدم… وربما بأرقام أكبر.

هذه الجريمة ليست فقط جريمة قتل… بل جريمة صمت، وجريمة إهمال، وجريمة مجتمع لم ينتبه إلا بعد فوات الأوان.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى