ظاهرة الدجل والشعوذة لم تعد مجرد حكايات يرويها الناس فى القرى أو روايات أسطورية يتناقلها البسطاء، بل أصبحت منظومة نصب منظم تستغل ثوب الدين وادعاء العلاج الروحى لتتحول إلى تجارة مربحة تُباع فيها الوهم والأكاذيب بأغلى الأثمان.
تحت ستار “الرقية الشرعية” و”العلاج بالقرآن” و”فك السحر”، يجلس الدجالون فى جلسات مظلمة يحيطون أنفسهم ببخور وأحجبة وأوراق غامضة، بينما ضحاياهم يصفقون بأموالهم وكرامتهم على أبواب الوهم. والكارثة أن تلك التجارة لم تتوقف عند حدود الخداع المالى، بل امتدت إلى جرائم أخلاقية وانتهاكات جسدية تحت زعم “علاج المس العاشق” أو “إبطال السحر”.
كم من أسرة انهارت بعدما سلّمت مصيرها لدجال، وكم من مريض أهدر عمره وصحته وهو يطارد كذبة “المعالج الروحانى” بينما كان يمكنه الشفاء فى مستشفى أو على يد طبيب متخصص. بل وصل الأمر أن بعض النصابين يطلبون مبالغ خيالية تتجاوز عشرات الآلاف من الجنيهات، ويقنعون الضحايا أن علاجهم يحتاج إلى “جلسات متكررة”، تمامًا كما يفعل تجار السموم لكن بغطاء الدين.
أمثلة صارخة
فى السنوات الأخيرة ضبطت الأجهزة الأمنية العديد من “الرقاة الشرعيين” الوهميين بعد شكاوى من ضحاياهم، بعضهم استغل النساء بحجة العلاج من المس الشيطانى، وآخرون استولوا على مدخرات أسر كاملة.
على مواقع التواصل الاجتماعى تنتشر إعلانات “شيوخ فك السحر” و”المعالج العالمى” و”خبير جلب الحبيب”، فى تحدٍ صارخ للقانون والعقل والدين.
لا يخلو شارع فى بعض المناطق الشعبية من لافتات تعلن عن “مركز علاج روحانى”، وكأن الدولة منحت تراخيص لهم، بينما الحقيقة أن الأمر كله نصب واحتيال.
القانون والدين فى مواجهة الخداع
القانون المصرى يجرم ممارسة الطب أو العلاج دون ترخيص وفقًا لقانون مزاولة المهن الطبية، كما يضع عقوبات صارمة تصل للحبس والغرامة. ومع ذلك، ما زال هؤلاء يواصلون نشاطهم تحت أعين المجتمع، ما يجعل الحاجة ملحّة إلى حملات موسعة لاقتلاع هذه الأوكار.
أما الدين، فهو برىء تمامًا من أفعال هؤلاء. فالقرآن الكريم كتاب هداية وشفاء للقلوب والنفوس، وليس وسيلة للمتاجرة ولا غطاء لابتزاز الناس. النبى صلى الله عليه وسلم قال: “من أتى كاهنًا أو عرّافًا فقد كفر بما أنزل على محمد”. فكيف نترك النصابين يسرقون الدين والعقول معًا؟
واجب الدولة والمجتمع
المواجهة لا تحتمل تهاونًا.
الدولة مطالبة بإغلاق جميع أوكار الدجل والشعوذة بلا استثناء.
الجهات الدينية عليها فضح هؤلاء بالاسم وتوضيح كذبهم.
الإعلام يجب أن يطلق حملات توعية تحاصر أوهام الدجالين وتكشف حقيقتهم للرأى العام.
الأسر يجب أن تتحمل مسئوليتها فى حماية أبنائها وبناتها من السقوط فى هذا المستنقع.
الخلاصة
الدجل والشعوذة ليسا مجرد أعمال فردية، بل مؤامرة على العقل والدين والمجتمع. إن ترك هؤلاء دون محاسبة يعنى السماح باستمرار نزيف الأموال والأعراض والعقول. العلاج عند الأطباء، والشفاء بيد الله وحده، أما هؤلاء الدجالون فمكانهم الطبيعى خلف القضبان، لا فوق المنابر ولا فى البيوت.
الدجل ليس إيمانًا.. الدجل هو أخطر أشكال النصب باسم القداسة.







