
تشكل أجهزة الطرد المركزي الركيزة الأساسية لأي برنامج نووي يهدف إلى تخصيب اليورانيوم، سواء لأغراض سلمية مثل توليد الطاقة، أو عسكرية مثل إنتاج القنابل النووية.
لذلك، فإن أي ضربة تستهدف هذه الأجهزة، مثل ما حدث في منشآت إيران النووية، تُعتبر بمثابة تعطيل فعلي لعصب البرنامج النووي الإيراني.
كشفت تقارير متعددة صادرة عن «رويترز»، وصحيفة «واشنطن بوست» بالتفصيل طبيعة هذه الأجهزة، وآلية عملها، ومدى صعوبة إصلاحها أو استبدالها في حال تم استهدافها.
أولاً.. أين تُصنع أجهزة الطرد المركزي؟
أجهزة الطرد المركزي لا تُصنّع في أي منشأة عادية، فهي تتطلب بيئة تصنيع عالية الدقة ومعدات متطورة للغاية، وغرف معزولة لتقليل الاهتزاز، ومواد متخصصة تتحمل ظروف دوران غير مسبوقة.
أشهر الدول المصنعة لها، هي: ألمانيا، وفرنسا، وهولندا، وروسيا، والولايات المتحدة، وباكستان.
وتتمثل المادة الأساسية المستخدمة في تصنيع قلب الجهاز (الروتور) في ألياف الكربون أو الفولاذ عالي النقاء، ويُشترط أن تكون المواد خفيفة الوزن جدًا، لكنها تتحمل سرعات عالية دون أن تتشقق أو تنهار، بحسب «رويترز».
ويُعد طراز Zippe واحدًا من أكثر النماذج استخدامًا في العالم، وهو نموذج نشأ في الاتحاد السوفيتي، ثم جرى تطويره لاحقًا في الغرب، وخاصة لدى شركة “Urenco” التي تمد دولًا عديدة بالتقنية، فيما استخدمته دول مثل إيران وباكستان في برامجها الوطنية.
ثانيًا.. كيف تعمل أجهزة الطرد المركزي؟ ولماذا سُميت بهذا الاسم؟
تُستخدم أجهزة الطرد المركزي لفصل نوعين من الذرات داخل غاز اليورانيوم، هما:
ئورانيوم-235 (الخفيف والمطلوب للتخصيب).
ويورانيوم-238 (الأثقل، وغير المفيد للتخصيب).
وعندما يُضخ غاز اليورانيوم (UF₆) داخل أسطوانة تدور بسرعات هائلة قد تصل إلى 60 ألف دورة في الدقيقة، تتولد قوة طرد مركزي هائلة تدفع الذرات الأثقل نحو جدران الأسطوانة، بينما تبقى الذرات الأخف قرب المركز.
ومن هنا جاء اسم “الطرد المركزي”، لأن الجهاز يعتمد على قوة الدوران في فصل الذرات بحسب وزنها.
بعد ذلك، يُسحب الغاز الغني بذرات اليورانيوم-235 من مركز الأسطوانة، ويُمرّر إلى جهاز آخر لإعادة العملية مرة ثانية، وهكذا.
وتُربط هذه الأجهزة معًا في سلسلة تُعرف باسم “الكاسكيد”، حيث تُكرر العملية عشرات أو مئات المرات لزيادة نسبة ^235U تدريجيًا.
وبهذه الطريقة، ترتفع نسبة اليورانيوم-235 من حالته الطبيعية (0.7%) إلى:
نحو 3–5% لاستخدامه في تشغيل المفاعلات النووية.
أو أكثر من 20% في حالة إنتاج مواد تصلح للاستخدام العسكري.
ثالثًا.. كيف تُفكك هذه الأجهزة؟ ولماذا يصعب استبدالها؟
أجهزة الطرد المركزي ليست آلات سهلة الفك والتركيب، فكل جهاز يتطلب ضبطًا دقيقًا جدًا في التوازن الداخلي، لأن أي انحراف طفيف في الدوران قد يؤدي إلى تحطّمه بالكامل، ويتم تركيب الأجهزة داخل منشآت تحت الأرض غالبًا، مثل “نطنز” و”فوردو” في إيران، ويتم ربط الآلاف منها في شبكات دقيقة تُعرف بـ”الكاسكيد”.
وإذا تم استهداف هذه الشبكة سواء بالقصف أو بأعمال تخريب إلكتروني، فإن:
تفكيك الأجهزة المتضررة يستغرق أيامًا أو أسابيع حسب عدد الأجهزة.
وإعادة تصنيع وتجميع الأجهزة قد يحتاج إلى عدة شهور، خصوصًا أن استيراد قطع الغيار ممنوع على بعض الدول بسبب العقوبات.
وبعد التركيب، يجب ملء الأجهزة بغاز UF₆ من جديد، واختبار الأداء بدقة، مما يُطيل فترة التعافي.
رابعًا.. ماذا يحدث بعد التدمير؟ كم من الوقت تحتاج إيران لإعادة التشغيل؟
وفق صحيفة «واشنطن بوست»، فإن أي منشأة نووية تتعرض للتخريب الكامل لأجهزة الطرد المركزي تحتاج إلى ما لا يقل عن 6 أشهر إلى سنة لاستعادة نشاطها الإنتاجي بالكامل.
وهذه الفترة تتوقف على عدة عوامل:
مدى توفر الأجهزة البديلة أو القدرة على تصنيعها داخليًا.
جاهزية غاز اليورانيوم المستخدم (UF₆).
كفاءة فرق التشغيل والصيانة.
استمرار أعمال المراقبة أو الضغط الدولي.
حتى في حال بدأت المنشأة العمل جزئيًا، فإن العودة إلى الإنتاج المستقر بوتيرة كاملة، كما كانت قبل الضربة، تتطلب وقتًا طويلًا وتكلفة باهظة.
خامسًا.. متى تعود المنشأة لإنتاج اليورانيوم؟
إنتاج اليورانيوم لا يبدأ فور تركيب الأجهزة، حيث يجب أولًا:
اختبار كل كاسكيد على حدة، ومراقبة الأداء، وضبط معدلات التدفق.
ثم يبدأ الإنتاج تدريجيًا، في البداية يورانيوم منخفض التخصيب (LEU بنسبة 3–5%) خلال 6 أشهر تقريبًا.
أما الوصول إلى يورانيوم عالي التخصيب (HEU بنسبة تفوق 20%) فيحتاج إلى إضافة مراحل تخصيب إضافية، وقد يستغرق عامًا أو أكثر حسب حجم «الكاسكيد» وعدد الأجهزة.
سادسًا.. لماذا تعتبر هذه الأجهزة هدفًا حرجًا لأي هجوم؟
بحسب صحفية «واشنطن بوست» السبب بسيط، لأن أجهزة الطرد المركزي هي الوسيلة الوحيدة حاليًا التي يمكن بها تخصيب اليورانيوم بشكل مجدٍ اقتصاديًا.
وكلما زاد عدد الأجهزة ودقتها، كلما اقتربت الدولة من امتلاك “قنبلة نووية محتملة” أو من امتلاك وقود نووي كافٍ لتشغيل المفاعلات.
ولهذا: أي تدمير أو تخريب لهذه الأجهزة يُعتبر ضربة فنية قاسية للبرنامج النووي.
والاستهداف لا يحتاج إلى تدمير المنشأة بالكامل، بل فقط تعطيل عدد كافٍ من الأجهزة لكسر سلسلة التخصيب.







