لم تعد معركة الوعي في عصر التكنولوجيا مجرد صراع على نشر الأخبار، بل أصبحت مواجهة حقيقية بين المعلومة الموثقة والرواية المضللة، بين من يسعى إلى فهم الحقيقة ومن يحاول توجيه الرأي العام عبر الشائعات واجتزاء الوقائع وصناعة الأزمات على منصات التواصل الاجتماعي.
وفي هذا المشهد، يظل الخطاب المنسوب إلى جماعة الإخوان المسلمين محل تساؤل ونقد، خصوصًا عندما تتداول حسابات وصفحات روايات سياسية مثيرة دون تقديم أدلة واضحة أو التحقق من سياق الأحداث. فالمشكلة لا تكمن في مجرد اختلاف الآراء، وإنما في أي محاولة محتملة لتحويل المعلومة غير المكتملة إلى حقيقة مزعومة، أو استغلال مخاوف المواطنين لتحقيق أهداف سياسية.
إن أخطر ما تواجهه المجتمعات ليس تداول الشائعة وحده، بل تحولها إلى قناعة قبل أن تخضع للفحص. فقد يبدأ الأمر بصورة قديمة، أو مقطع مجتزأ، أو منشور مجهول المصدر، ثم تتسع دائرة تداوله حتى يعتقد البعض أن كثرة المشاركات دليل على صحته. والحقيقة أن الانتشار لا يمنح المعلومة مصداقية، كما أن تكرار الادعاء لا يحوله إلى واقعة ثابتة.
وقد كشفت تقارير منشورة لشركة «ميتا» عن رصد شبكات حسابات مارست سلوكًا زائفًا منسقًا، واستخدمت حسابات وهمية أو هويات مضللة للتأثير في النقاش العام وزيادة التفاعل بصورة مصطنعة. وهذه الوقائع تؤكد أن التلاعب الرقمي يمثل تحديًا حقيقيًا، يستوجب التعامل معه بالأدلة والتحقيق والتدقيق، لا بالتخمين أو الاتهامات غير المثبتة.
معركة الوعي لا تُحسم بالشائعات
إن الدولة المصرية، مثل غيرها من الدول، تواجه تحديًا مستمرًا في التعامل مع التدفق الهائل للمعلومات عبر المنصات الرقمية. ومواجهة هذا التحدي لا تتحقق بالشعارات وحدها، بل تتطلب سرعة إتاحة المعلومات الصحيحة، وتوضيح الحقائق للرأي العام، وتعزيز أدوات التحقق، ومحاسبة من تثبت مسؤوليته عن مخالفات يعاقب عليها القانون.
وفي المقابل، فإن المواطن المصري يمتلك دورًا أساسيًا في هذه المعركة؛ فلا ينبغي أن يكون مجرد حلقة في سلسلة إعادة نشر الأخبار، بل عليه أن يسأل عن المصدر، ويتحقق من تاريخ الصورة، ويبحث عن السياق الكامل للتصريح، قبل أن يشارك محتوى قد يساهم في نشر البلبلة أو الإساءة إلى الآخرين.
كما تتحمل وسائل الإعلام مسؤولية مضاعفة؛ لأن الصحافة ليست منصة لتكرار ما يتردد على مواقع التواصل، وإنما مهنة تقوم على التحقق والتوازن والدقة، وتفصل بين الوقائع المثبتة والتحليلات والاتهامات التي لا تزال بحاجة إلى دليل.
لا مكان للتضليل.. ولا إدانة بلا دليل
إن مواجهة أي محاولات للتأثير المضلل في الرأي العام يجب أن تستند إلى قواعد واضحة: كشف الحسابات الوهمية عند ثبوتها، وتوثيق حملات التلاعب، والتحقيق في مصادر المعلومات، وتطبيق القانون على المخالفات المثبتة، مع الحفاظ على حق المواطنين في التعبير والنقد المشروع.
ولا يجوز اعتبار كل رأي مخالف شائعة، أو وصف كل انتقاد بأنه مؤامرة؛ فالدولة القوية هي التي تستند إلى الحقائق، وتواجه الادعاءات بالأدلة، وتمنح الرأي العام المعلومات التي تساعده على تكوين موقف واعٍ ومستقل.
وفيما يتعلق بجماعة الإخوان المسلمين، فإن نقد خطابها ومواقفها يجب أن يقوم على الوقائع الموثقة، لا على التعميم. فالمواجهة المهنية الحقيقية تكشف أساليب التضليل حيثما ثبتت، وتحدد المسؤولية بناءً على الأدلة، بدلًا من الاكتفاء بالاتهامات المرسلة.
الخلاصة أن وعي المصريين هو خط الدفاع الأول في مواجهة الشائعات، وأن الحقيقة لا تحتاج إلى ضجيج حتى تثبت وجودها. فكلما امتلك المواطن القدرة على التحقق والتمييز، تراجعت فرص استغلاله عبر المحتوى المضلل، وأصبحت منصات التواصل وسيلة للمعرفة والتواصل، لا أداة لصناعة الوهم أو توجيه العقول بعيدًا عن الحقائق.
إن معركة الوعي مسؤولية مشتركة، عنوانها المعلومة الصحيحة، وسلاحها الدليل، وهدفها حماية المجتمع من التضليل دون التفريط في حقه في المعرفة والنقد.







