
مازالت الكلمة حائرة بين مفهوم لم يقصد ومقصود لم يفهم فإجعل كلمتك بسيطة حتى يفهم مقصدها وبين سخرية و جدية تأتى كلماتى كحقنة خفية فى وريد مقصدها……
إغتصاب سيارة في وضح النهار
الجناة في الشوارع والضحايا في الخردة والشهود خلف الكاميرات
في وضح النهار وعلى مرأى من الجميع تعرضت سيارة لاعتداء وحشي في أحد الشوارع هاجمها التوكتوك وحاصرها الموتوسيكل وضغط عليها الميكروباص والتروسيكل حتى تمزق جسدها وتشوهت ملامحها بينما وقف المارة يتفرجون وكأنهم أمام عرض مجاني لا يستحق سوى التصوير
صرخت السيارة بكلاكسها تستغيث لكن صوتها ضاع وسط ضجيج المحركات وكانت الكاميرات حاضرة بقوة أما النجدة فغابت عن المشهد لم يمد أحد يده لإنقاذها لكن الجميع تقريبًا كان مستعدًا لنشر صور مأساتها وهكذا تحولت الجريمة إلى مادة للفرجة وتحولت الضحية إلى بطلة مقطع مصور بينما واصل المعتدون استعراض قوتهم وكأن الشارع ملك خاص لا يدخله القانون إلا بإذنهم ولكي نفهم كيف وصلت السيارة إلى هذه النهاية فلنعد إلى بداية الحكاية….
استيقظت صباحًا كعادتها واغتسلت وتلمعت وسخنت الموتور ثم خرجت بكامل أناقتها لا تحمل سلاحًا ولا تبحث عن مشكلة وكل ما أرادته أن تصل إلى وجهتها بسلامزلكنها وقعت في قبضة ذئاب الطريق الذين لا يعترفون بحقوق الآخرين ولا يرون في قواعد المرور سوى نصائح اختيارية بدأت المضايقات
وانتهت بالتحطيم ولم تجد السيارة منفذًا للنجاة إلا بعد أن دفعت من جسدها ثمنًا باهظًا خرجت من الشارع مكسورةوممزقة واتجهت إلى السمكري والميكانيكي والكهربائي والسروجي لعلهم يصلحون ما أفسده المعتدون لكن بعض الجروح لا يصلحها تغيير الإكصدام ولا إعادة طلاء الأبواب
قررت السيارة ألا تتنازل عن حقها فتوجهت إلى القسم ووضعت حكايتها أمام القانون وهنا بدأت الكوميديا السوداء كشفت الحكاية عن مشهد
لا يحتاج إلى خيال كاتب ساخر فالتوكتوك بلا أرقام وبلا ترخيص ويقوده طفل والموتوسيكل يقوده متهور لا يرى في الطريق إلا ساحة لاستعراض قوته أما الميكروباص فقد كشف الفحص عن تعاطي سائقه للمخدرات بينما ظهر التروسيكل وكأنه مركبة بلا صاحب يسأل عنها أومسؤول يتحمل تبعاتها أربعة أطراف في مشهد واحد وكل طرف يفتح بابًا لسؤال أخطر من الحادث نفسه من سمح لهذه المركبات بالنزول إلى الشوارع بهذه الصورة ومن المسؤول عن الرقابة عليها ومن يحاسب من يترك طفلًا يقود وسط السيارات ومن يضمن ألا يجلس متعاطي مخدرات خلف عجلة قيادة تهدد أرواح الناس المشكلة ليست في مركبة واحدة بل في الإهمال الذي يسمح للمخالفة بأن تتحول إلى خطر يومي وفي الرقابة التي لا يجوز أن تظهر بعد وقوع الكارثة ثم تختفي حتى تقع الكارثة التاليةوهذه ليست مجرد مركبات تتحرك في الشوارع بل ذئاب مرورية حين تفلت من القانون وتتحرك بلا ضوابط تصبح السيارات والمشاة وسائر مستخدمي الطريق أهدافًا سهلة لفوضى لا ترحم
والسيارة المسكينة لم تكن مطالبة بأن تدفع ثمن غياب الرقابة من صاجها وقطع غيارها وحقها في الأمان
لكن المفارقة الأكبر ظهرت عندما بدأت رحلة البحث عن الأدلة أين أصحاب الهواتف الذين صوروا الواقعة وأين التسجيلات التي يمكن أن تساعد في تحديد المسؤولين عنها هل اختفت الصور مع اختفاء الجناة أم أن التصوير كان مهمًا فقط ما دام يصلح للنشر
وفي نهاية الرحلة جاء القرار بحفظ القضية لعدم كفاية الأدلة وفقًا لما انتهت إليه الإجراءات يا لها من نهاية تستحق أن تدخل موسوعة الكوميديا السوداء السيارة هي التي تحطمت لكنها تبحث عن الدليل والضحية هي التي استغاثت لكنها تنتظر من يثبت ما جرى بينما يظل السؤال الأكبر معلقًا حول مسؤولية من كان يمكنه منع الخطر قبل أن يتحول إلى جريمة
انتهت الحكاية بأن وجدت السيارة نفسها في منطقة للخردة وحيدة بين هياكل صدئة ومحركات صامتة بينما استمرت الحياة في الشوارع وعاد كل شيء إلى ما كان عليه التوكتوك يبحث عن طريق والموتوسيكل يواصل رحلته والميكروباص يزاحم الجميع وسيارة أخرى تستعد للخروج دون أن تعرف أن لها دورًا محتملًا في الحكاية القادمة
لكن القضية لم تكن يومًا قضية صاج وزجاج وإكصدامات بل قضية أمان غائب ورقابة مطلوبة وقانون يجب أن يطبق قبل وقوع الكارثة لا بعدها
فالسيارة لم تغتصب بسبب قوة المعتدين وحدها بل لأن الطريق ترك لهم مساحة للفوضى ولأن الشهود لم يحولوا ما رأوه إلى أدلة تصل إلى جهات التحقيق وحين تصبح الجريمة فرجة والضحية خردة ويعود المعتدي إلى الطريق فإن السؤال لم يعد من حطم السيارة بل من ترك ذئاب الطريق حرة حتى أصبحت كل سيارة مشروع ضحية جديدة…..
تحياتى ومن عندياتى،،،،
*قرمشة:
كوميديا سوداء من قلب الشارع
«العربية اتكسرت والجاني اتفسّح»
«الناس صوّرت والجاني طار والدليل انهار»
«الرخصة غايبة والرقابة نايمة والكارثة قايمة»
«العربية راحت الخردة والجاني رجع للقيادة»
«الضحية راحت القسم والجاني راح يكمل يومه»
الى اللقاء ،،







