عاجلمقالات

حسين محمود يكتب: قضية «متصدقش».. حين تتحول المنصة إلى ملف تمويل وتنظيم

تكشف قضية منصة «متصدقش» عن سؤال يتجاوز منشورًا متداولًا أو خبرًا محل خلاف: هل كانت المنصة تمارس عملًا صحفيًا مستقلًا، أم كانت ـ وفق ما تطرحه تحقيقات النيابة ـ جزءًا من نشاط إعلامي منظم يتلقى توجيهًا وتمويلًا من الخارج؟ الإجابة النهائية لا تُحسم بالعناوين ولا بالاتهامات وحدها، بل بما يثبت أمام القضاء من أدلة وقرائن.

قالت النيابة العامة إن القضية، المقيدة برقم 8083 لسنة 2026 حصر أمن الدولة العليا، تتعلق بستة متهمين، وإن تحريات قطاع الأمن الوطني نسبت إلى قيادات في جماعة الإخوان بالخارج إدارة منصات إلكترونية وتكليف عناصر بنشر أخبار وبيانات وصفتها بالكاذبة، والتشكيك في مؤسسات الدولة ومسؤوليها. ووفق بيان النيابة، أقر أحد المتهمين بانضمامه وآخرين إلى اللجنة الإعلامية للجماعة والعمل في صفحة «متصدقش»، وبعقد لقاءات عبر تطبيقات تواصل مع مسؤول عنها بالخارج، كما أقر بتلقي تمويل شهري بعملات أجنبية عبر تحويلات بنكية من شركة مملوكة لأحد أعضاء الجماعة المقيمين خارج البلاد.

وتقول النيابة إن فحص هاتف أحد المتهمين أظهر مجموعات مغلقة ورسائل إلكترونية مرتبطة بالتواصل مع الشخص الموجود بالخارج. كما ذكرت أن جميع المتهمين أقروا بالعمل في الصفحة وتولي أدوار مختلفة فيها، وبأنهم تلقوا مبالغ بالدولار بصورة دورية باستثناء أحدهم. وفي المقابل، نقل البيان أن باقي المتهمين أنكروا الانضمام إلى الجماعة، باستثناء متهم قال إنه سبق أن انضم إليها ثم انفصل عنها قبل عمله بالصفحة. وهذه الفروق في الأقوال جوهرية؛ فالمسؤولية لا تُعمم على مجموعة لمجرد ارتباط أفرادها بمكان عمل واحد، بل تُحدد لكل متهم على حدة، بحسب دوره وما يثبت عليه.

إذا صحت رواية التحقيقات وثبتت أدلتها، فالمسألة لا تتعلق بتلقي أجر مقابل عمل صحفي فحسب، بل باحتمال توظيف منصة إعلامية لتنفيذ تكليفات منظمة، وصناعة محتوى يخدم غرضًا سياسيًا محددًا، مع إخفاء طبيعة العلاقة المالية والتنظيمية. هنا يصبح تتبع مسار التحويلات، وملكية الشركة، ومصدر الأموال، وصلتها بالمحتوى المنشور، عناصر أساسية في فهم القضية. فالتمويل الأجنبي وحده لا يكفي لإثبات جريمة، مثلما أن وصف العمل بأنه صحفي لا يمنح حصانة من المساءلة إذا ثبت استخدامه غطاءً لنشاط غير مشروع.

والاختبار الحاسم هو الأدلة القابلة للفحص: سجلات التحويلات، ومراسلات التكليف، وطبيعة الصلة بين الممولين والعاملين، وما إذا كانت المواد المنشورة تتضمن وقائع مختلقة عمدًا أم تقارير صحفية أخطأت أو خالفت التقدير المهني. كما ينبغي التمييز بين نشر انتقاد أو كشف قصور ـ وهو من صميم العمل الصحفي ـ وبين اختلاق الوقائع أو تنسيق حملة مضللة، إذا ثبت ذلك بأدلة محددة لا باستنتاجات عامة.

وفي الوقت نفسه، لا يجوز أن تتحول خطورة الاتهامات إلى حكم مسبق على المتهمين. فالحبس الاحتياطي إجراء على ذمة التحقيق، وليس إدانة، واعتراف أحد المتهمين لا يغني عن التحقق من صحته وظروف الإدلاء به ومطابقته للأدلة الفنية والمالية. وقد قالت النيابة إن ثلاثة متهمين ادعوا تعرضهم للقسوة، وإنها أحالتهم إلى مصلحة الطب الشرعي، التي أفادت ـ بحسب بيانها ـ بعدم وجود إصابات أو علامات تدل على العنف. في المقابل، قالت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية إن محامي الدفاع نقلوا عن عدد من الصحفيين ادعاء تعرضهم لسوء معاملة وإجبارهم على تسجيل اعترافات. لذلك فإن أي ادعاء من هذا النوع يحتاج إلى تحقيق مستقل وموثق، كما تحتاج رواية الاتهام إلى عرض كامل أمام القضاء.

القضية تضع مسؤولية كبيرة على التحقيق والمحاكمة: كشف حقيقة التمويل وصلته بالمحتوى، وتحديد دور كل متهم، وفحص ما نشرته المنصة في سياقه ومصادره، والتحقيق في الشكاوى المتعلقة بظروف الاحتجاز. الحسم العادل لا يكون بتبرئة مسبقة ولا بإدانة إعلامية؛ يكون بدليل واضح، وإجراءات قانونية سليمة، وحكم قضائي يفصل بين العمل الصحفي المشروع وأي نشاط إجرامي تثبته الأوراق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى