عاجلمقالات

حسين محمود يكتب: الوعي درع الوطن في مواجهة حرب الشائعات

في زمنٍ قد تصل فيه الكذبة إلى ملايين الناس قبل أن تظهر الحقيقة، لم تعد الشائعة مجرد كلام عابر. إنها وسيلة لإرباك الرأي العام، وزرع الشك في كل خبر وقرار، ودفع الناس إلى إصدار الأحكام تحت تأثير الخوف والغضب. ولهذا صار الدفاع عن الوعي مسؤولية لا تقل أهمية عن مواجهة أي خطر آخر يستهدف المجتمع.

تسعى جماعة الإخوان الإرهابية وأذرعها الإعلامية بالخارج إلى استغلال الأحداث والأزمات في خطاب يقوم على التشكيك والتضليل. تبدأ الحملة أحيانًا بمقطع مبتور، أو صورة قديمة تُقدَّم على أنها حديثة، أو ادعاء بلا مصدر، ثم تتلقفه حسابات وصفحات تعيد نشره حتى يبدو تكراره دليلًا على صحته. والغاية هي زعزعة الثقة بين المواطن ومؤسسات دولته، وإشغال المجتمع بمعارك تصنعها الأكاذيب.

والشباب هم الأكثر تعرضًا لهذا السيل المتواصل بحكم حضورهم اليومي على المنصات الرقمية. لكن الثقة في وعيهم لا تعني تركهم وحدهم أمام محتوى صُمم ليثير الانفعال قبل التفكير. نحتاج إلى تعليمهم كيف يسألون: من نشر الخبر أولًا؟ أين مصدره الأصلي؟ متى التُقطت الصورة؟ وهل تؤيد الوقائع ما يقوله التعليق المصاحب لها؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تُسقط شائعة انتشرت آلاف المرات.

في المقابل، لا يُهزم التضليل بالشعارات وحدها. حين تتوافر المعلومة الدقيقة بسرعة ووضوح، تضيق المساحة التي تتحرك فيها الشائعة. وحين تخاطب المؤسسات المواطنين بصدق، وتشرح ما تستطيع شرحه، وتصحح الخطأ إن وقع، فإنها تبني ثقة أقوى من أي رد انفعالي. فالمواطن الواعي لا يطلب أن يسمع أخبارًا مطمئنة دائمًا؛ بل يريد أن يعرف الحقيقة.

كما أن نقد الأداء العام حق ومسؤولية، ولا يجوز الخلط بين السؤال المشروع وبين نشر ادعاء مختلق. إتاحة النقاش الجاد، والاستماع إلى شكاوى الناس، والرد عليها بوقائع قابلة للتحقق، كلها أدوات تحمي المجال العام من محاولات استغلال القلق أو الغضب. فالشائعة تجد طريقها بسهولة أكبر حين يغيب التفسير وتُترك الأسئلة بلا إجابة.

معركة الوعي تبدأ من تصرف صغير يقوم به كل واحد منا: أن نتوقف لحظة قبل الضغط على زر «مشاركة». لا ننقل خبرًا لأن عنوانه صادم، ولا نصدّق مقطعًا لأن صوت المتحدث فيه واثق، ولا نحاكم الناس والمؤسسات استنادًا إلى منشور مجهول. الوطن يحميه مواطن يسأل ويفحص ويفكر، ويدرك أن الحقيقة تستحق وقتًا أطول من الزمن اللازم لنشر شائعة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى