ليلة مختلفة داخل فيلا صبري نخنوخ بالتجمع الخامس.. أصوات كلاب تنبح، حركة غير معتادة أمام الفيلا، وأشخاص بملابس مدنية يطرقون الباب، قبل أن تتحول الدقائق التالية إلى عملية تفتيش انتهت بضبط قطع قالت التحقيقات إنها أثرية، لتبدأ بعدها سلسلة من الأسئلة أمام جهات التحقيق: من أين جاءت هذه القطع؟ ولماذا ظلت داخل الفيلا لسنوات؟ وهل كان صاحبها يعلم بحقيقتها الأثرية؟
القضية رقم 6895 لسنة 2026 جنايات التجمع الخامس أصبحت أمام جهات القضاء، بعدما نسبت التحقيقات إلى نخنوخ حيازة قطع أثرية وعدم إخطار المجلس الأعلى للآثار خلال المدة القانونية، وفقًا لما ورد في أمر الإحالة.
«أخدتها من صاحبي».. رواية نخنوخ أمام التحقيقات
المفاجأة الأولى جاءت من أقوال صبري نخنوخ نفسه.
بحسب ما نشرته وسائل إعلام نقلاً عن التحقيقات، أقر بأن القطع المضبوطة تخصه، لكنه قال إنه حصل عليها من أحد أصدقائه في محافظة الإسكندرية، وإنه كان يحتفظ بها باعتبارها «أنتيك» وقطعًا للزينة، مشيرًا إلى أنه حصل عليها منذ نحو سبع سنوات.
لكن عندما سُئل عن هوية الشخص الذي حصل منه على القطع، قال إنه لا يتذكر اسمه تحديدًا.
وهنا تتوقف القصة أمام سؤال جوهري: إذا كانت القطع مجرد أنتيكات في نظر صاحبها، فكيف انتهى بها الأمر إلى أن تكون محل فحص أثري وتحقيق قضائي؟
الإجابة النهائية ليست في الانطباعات، وإنما فيما ستنتهي إليه التحقيقات والفحص الفني وأحكام القضاء.
11 قطعة تفتح بابًا أخطر
وفق ما نشرته «الشروق»، تضمنت المضبوطات 11 قطعة، بينها ثلاثة أباريق معدنية ذات نقوش إسلامية عربية، وثلاثة فؤوس ذات نقوش إسلامية عربية، وثلاثة خناجر معدنية، وصلولجان ذو نقوش إسلامية عربية، وسيف.
وأفاد خبير آثار، بحسب التحقيقات المنشورة، بأن السيف يرجع إلى العصر العثماني، بينما تعود باقي القطع إلى أواخر القرن التاسع عشر، كما أشار إلى وجود أكسدة عليها، مع ترجيح احتمال انتشالها من قاع البحر بمنطقة الإسكندرية.
والأهم أن الخبرة الفنية، وفق التقرير ذاته، انتهت إلى أن القطع غير مسجلة بسجلات المجلس الأعلى للآثار، وأنه لا يجوز للأشخاص حيازتها أو امتلاكها بالمخالفة للقانون.
وهنا تتحول المسألة من مجرد «ديكور» أو «أنتيك» إلى ملف يحتاج إلى إجابات دقيقة حول مصدر القطع، وطريقة انتقالها، وتاريخ حيازتها، ومدى العلم بطبيعتها الأثرية.
الخادمة ترسم المشهد.. الساعة 8:30 مساءً
أما الرواية الثانية فجاءت من الخادمة التي كانت موجودة بمحيط الفيلا وقت تنفيذ إجراءات التفتيش.
وقالت، وفق ما نُشر عن أقوالها، إنها تعمل لدى نخنوخ منذ حوالي عامين، وأن عملها يتركز في النظافة وترتيب الأثاث وأحيانًا إعداد الطعام.
وفي يوم الواقعة، الموافق 3 يونيو 2026، كانت داخل غرفتها المجاورة للفيلا، قبل أن تسمع نباح الكلاب وضوضاء في الخارج.
خرجت لاستطلاع الأمر، فوجدت عددًا كبيرًا من الأشخاص أمام باب الفيلا، كانوا يرتدون ملابس مدنية، وأبلغوها بأنهم من الجهات الحكومية.
وطلبوا منها مفتاح الفيلا وهاتفها المحمول، فسلمتهما لهم، ثم دخلت القوة إلى العقار، بينما طُلب منها البقاء خارجه.
وقالت إن الواقعة حدثت قرابة الساعة 8:30 مساءً، وإنها ظلت خارج الفيلا حتى حضرت كارلا، زوجة نخنوخ، ودخلت إلى العقار.
من «أنتيك» إلى محضر تحقيق
القصة هنا ليست مجرد العثور على مقتنيات قديمة داخل منزل.
فالقانون لا ينظر إلى القطعة باعتبارها مجرد تحفة تزين غرفة أو صالونًا، وإنما ينظر إلى طبيعتها الأثرية ومصدرها وطريقة حيازتها والالتزامات القانونية المرتبطة بها.
وهذا هو الفارق الذي يجعل كلمة «أنتيك» وحدها غير كافية لحسم القضية.
فالفيصل في النهاية هو التقرير الفني، وأدلة التحقيق، وأمر الإحالة، ثم المحكمة المختصة.
المفارقة التي تستحق التوقف
الأكثر إثارة في القضية أن الرواية المنسوبة إلى نخنوخ تتحدث عن قطع حصل عليها منذ سنوات من صديق بالإسكندرية، بينما تشير الخبرة المنشورة إلى أن بعض القطع تحمل خصائص دفعت الخبير إلى ترجيح ارتباطها بالإسكندرية واحتمال انتشالها من قاع البحر.
هذه المفارقة تحديدًا تجعل سؤال المصدر واحدًا من أهم مفاتيح القضية.
من أين جاءت القطع؟ ومن سلّمها؟ وكيف وصلت إلى الفيلا؟ وماذا كان يعرف حائزها عن طبيعتها؟
أسئلة لا تجيب عنها العناوين الساخنة، وإنما أوراق التحقيق والخبرة الفنية وأحكام القضاء.
الكلمة الأخيرة للقانون
القضية تحمل في طياتها رسالة أوسع من اسم المتهم أو عدد القطع المضبوطة: التراث المصري ليس مقتنيات شخصية تُترك بلا ضوابط.
وإذا ثبتت الطبيعة الأثرية للمضبوطات، فإن الأمر يصبح شأنًا يتعلق بحماية جزء من التاريخ المصري، وليس مجرد خلاف على ملكية مقتنيات.
وفي المقابل، فإن الاتهام لا يعني الإدانة، وتظل الكلمة النهائية للقضاء بعد فحص الأدلة وسماع الدفاع.
لكن المؤكد أن ليلة المداهمة فتحت بابًا واسعًا من الأسئلة، وأن عبارة «احتفظت بها على سبيل الأنتيك» أصبحت الآن جزءًا من ملف قضائي ستحدد المحكمة في نهايته ما الذي حدث بالفعل، ومن يتحمل المسؤولية قانونًا.







