في زمن أصبحت فيه الهواتف المحمولة تحمل كل تفاصيل حياتنا، لم يعد الخطر يقتصر على سرقة الأموال أو اختراق الحسابات البنكية، بل امتد إلى ما هو أخطر بكثير؛ سرقة الهوية الشخصية. فصورة واحدة لبطاقة الرقم القومي قد تكون بداية كابوس قانوني وأمني قد يقلب حياة صاحبها رأسًا على عقب.
كثيرون يرسلون صورة بطاقتهم الشخصية عبر تطبيقات المراسلة أو مواقع التواصل الاجتماعي دون تفكير، استجابة لطلب شخص يدّعي أنه وسيط توظيف، أو مندوب شركة، أو مالك شقة، أو حتى صديق. لكن الحقيقة أن هذه الصورة قد تصبح أداة في يد عصابات النصب والاحتيال وانتحال الشخصية.
المجرمون اليوم لا يحتاجون إلى سرقة البطاقة الأصلية، بل تكفيهم صورة واضحة لوجهها الأمامي والخلفي. باستخدام برامج التعديل وتقنيات الذكاء الاصطناعي، يمكن استغلال البيانات في إنشاء حسابات إلكترونية، أو الاشتراك في خدمات، أو تنفيذ عمليات نصب، أو استخدام الهوية في معاملات غير مشروعة، وهو ما قد يضع صاحب البطاقة الحقيقي تحت دائرة الاشتباه والتحقيق.
الخطورة لا تتوقف عند حدود الاحتيال المالي، بل قد تمتد إلى استخدام بيانات المواطن في تسجيل خطوط هاتف محمول، أو إنشاء محافظ إلكترونية، أو إبرام معاملات باسم شخص آخر، أو استغلالها في أنشطة إجرامية، ما قد يؤدي إلى استدعائه للتحقيق لإثبات أنه ليس المسؤول عن تلك الوقائع.
ورغم الجهود الكبيرة التي تبذلها الدولة في التحول الرقمي، فإن حماية البيانات الشخصية أصبحت مسؤولية مشتركة بين الجهات المختصة والمواطن نفسه. فقانون حماية البيانات الشخصية في مصر جاء ليضع إطارًا قانونيًا لتنظيم جمع البيانات ومعالجتها، إلا أن القانون وحده لا يكفي إذا استمر البعض في تداول صور بطاقاتهم بلا ضوابط.
المؤسف أن كثيرًا من المواطنين لا يدركون قيمة البيانات المكتوبة على البطاقة. الاسم، والرقم القومي، والعنوان، وتاريخ الميلاد، وجهة الإصدار، كلها معلومات يمكن أن يستغلها محترفو الاحتيال في بناء ملف كامل عن الضحية، واستغلاله بطرق يصعب توقعها.
ومن هنا، يصبح الوعي هو خط الدفاع الأول. فلا يجوز إرسال صورة بطاقة الرقم القومي إلا لجهة موثوقة وعند وجود ضرورة حقيقية، مع التأكد من هوية الجهة المستلمة، وتجنب نشر البطاقة على مواقع التواصل الاجتماعي أو إرسالها إلى أشخاص غير معروفين.
كما يُنصح بإخفاء البيانات غير المطلوبة عند مشاركة صورة البطاقة، إذا كان ذلك ممكنًا، ووضع علامة مائية توضح الغرض من استخدامها، مثل: “للتقديم على وظيفة فقط” أو “لاستخدامها في التحقق من الهوية”، بما يقلل من فرص إعادة استخدامها في أغراض أخرى.
إن جرائم انتحال الهوية أصبحت من أسرع الجرائم الإلكترونية نموًا، ولم يعد الضحية هو من يفقد أمواله فقط، بل قد يفقد سمعته، ويدخل في نزاعات قانونية تستغرق شهورًا أو سنوات لإثبات براءته.
وفي النهاية، يجب أن يدرك كل مواطن أن صورة بطاقة الرقم القومي ليست مجرد صورة عادية، بل مفتاح لهويته القانونية. والتهاون في تداولها قد يفتح أبوابًا لا تُغلق بسهولة، ويحوّل شخصًا بريئًا إلى متهم يحاول إثبات أنه لم يرتكب الجريمة المنسوبة إليه.
حافظ على بياناتك… فثمن الإهمال قد يكون أغلى مما تتخيل.







