
موسم الحج 2026، تناولت وزارة الأوقاف المصرية قصة الحجر الأسود منذ نزوله من الجنة وصولا إلى اللحظة التي وضعه فيها النبي صلى الله عليه وسلم بيده الشريفة ليحقن دماء قريش.
الحجر الأسود من الجنة
وقالت وزارة الأوقاف عبر موقعها الإلكتروني: ليس كل ما نراه في الدنيا يُكتفي بظاهره، فوراء هذا الحجر الأسود المثبت في ركن الكعبة، قصة أطول من عمر البشرية ذاتها، إنه حجر من الجنة، عن سيدنا ابن عباس رضي الله عنهما قال: “إن الله تعالى أنزل الركن يعني الحجر الأسود والمقام مع آدم عليه السلام ليلة نزل ليستأنِس بهما، وأنه كان يأنس بالحجر”، فقد هبط ليذكر سيدنا آدم عليه السلام في وحدته بجنة الخلد، فاسود بخطايا البشر، ثم رفعت مكانته حتى صار يمين الرب في أرضه، وإنه ليس حجرًا جامدًا، بل هو شفيع يوم القيامة، له عينان ولسان ينطق، هذا هو الحجر الأسود، وهذا ما سنراه في السطور القادمة.
عن سيدنا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو رضي الله عنهما وَأَدْخَلَ إِصْبعه فِي أُذُنِهِ، لَسَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ الْحَجَرَ وَالْمَقَامَ يَاقُوتَتَانِ مِنْ يَاقُوتِ الْجَنَّةِ، طَمَسَ اللهُ نُورَهُمَا، لَوْلَا ذَلِكَ لَأَضَاءَتَا مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، أَوْ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ» [مسند الامام أحمد، ٧٠٠٨].
وعن سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – قال: «نَزَلَ الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ مِنَ الْجَنَّةِ وَهُوَ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ، فَسَوَّدَتْهُ خَطَايَا بَنِي آدَمَ» [رواه الترمذي، كتاب الحج، باب ما جاء في الحجر الأسود، برقم ٨٧٧، وقال: حديث حسن صحيح]
وأوضحت الأوقاف أن الحجر لم يكن لونه أسود حين نزل؛ كان أبيض ناصعًا، كالثلج أو كاللبن، لكن الخطايا والذنوب التي ارتكبها بنو آدم تركت أثرها عليه، فاسودّ، إنها رسالة واضحة من الله: الذنب يُغيّر لون الحجر، فكيف يُغيّر لون القلوب؟
الحجر الأسود يمين الله، وشفيعٌ يوم القيامة
روى الطبراني في المعجم الكبير عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – قال: «الْحَجَرُ يَمِينُ اللَّهِ فِي الأَرْضِ، فَمَنْ لَمْ يُدْرِكْ بَيْعَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَمَسَحَ الْحَجَرَ، فَقَدْ بَايَعَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ» [المعجم الكبير للطبراني، ٣/ ١٢٧، وانظر: مجمع الزوائد، ٣/ ٢٤٢].
أي: إن مسح الحجر الأسود يعدل بيعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم – لمن لم يدركه، فإذا كان الحاج في زمان يمسح الحجر، فكأنما يضع يده في يد حضرة النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – نفسه، لهذا كان العلماء يقولون عند استلامه: “اللهم إيمانًا بك، وتصديقًا بكتابك، ووفاءً بعهدك” [إرشاد السالك، ١/ ١٥١].
وعن سيدنا ابن عباس رضي الله عنهما أيضًا في لفظ آخر: «الرُّكْنُ الأَسْوَدُ يَمِينُ اللَّهِ، يُصَافِحُ بِهَا عِبَادَهُ كَمَا يُصَافِحُ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ» [مثير الغرام، باب فضل الحجر الأسود (٢٦٣)].
وروى الترمذي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – قال: «لَيُبْعَثَنَّ الْحَجَرُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لَهُ عَيْنَانِ يُبْصِرُ بِهِمَا وَلِسَانٌ يَنْطِقُ بِهِ، يَشْهَدُ لِمَنِ اسْتَلَمَهُ بِحَقٍّ» [سنن الترمذي، ٩٦١].
تأمل المشهد: حجر، جماد في الدنيا، سيُبعث يوم القيامة كأنه رأس فحل، له عينان يبصر بهما، ولسان ينطق به؛ يشهد للحاج الذي استلمه، أي أن كل حاج سيكون له شاهدٌ من الجنة يخبر الله عن صدق نيته.
وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «مَسْحُ الْحَجَرِ الأَسْوَدِ وَالرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ يَحُطَّانِ الْخَطَايَا حَطًّا» [رواه الإمام أحمد في مسنده، ٥٦٢١].
“حَطًّا”: إسقاطًا وإزالة إذا مسح الحاج الحجر الأسود، تسقط خطاياه كما تُسقط الريح أوراق الشجر الجافة.
أعظم مشهد حين ازداد الحجر شرفًا بيد حضرة النبي
وأشارت إلى أنه قبل البعثة بخمس سنوات، لجأت قريش إلى إعادة بناء الكعبة بعد أن أصابها حريق وسيول، وصل بناؤهم إلى موضع الحجر الأسود، هنا وقع الخلاف، كل قبيلة تريد شرف وضع الحجر بنفسها، كادت الأمور تصل إلى الاقتتال، حتى كادت تسيل الدماء في الحرم.
ثم اتفقوا على أن يحكم بينهم أول من يدخل من باب بني شيحة، فدخل عليهم سيدنا محمد – صلى الله عليه وآله وسلم – (ولم يكن بُعث بعد)، قال – صلى الله عليه وآله وسلم -: «ائْتُونِي بِثَوْبٍ»، فأتي به، ثم قال – صلى الله عليه وآله وسلم -: «لْيَأْخُذْ كُلُّ قَبِيلَةٍ بِطَرَفٍ مِنَ الثَّوْبِ»، ففعلوا، ثم وضع الحجر الأسود في وسطه، وأمرهم برفعه جميعًا، وعندما وصل الثوب إلى مكان الحجر، أخذ النبي الحجر بيديه الشريفتين، ووضعه بنفسه في مكانه [السيرة النبوية، لابن هشام، ١/ ١٩٢-١٩٣].
تأمل: الذي وضع هذا الحجر في موضعه، إنها يد من وضع حجر الأساس لأعظم دين عرفته البشرية، لهذا، من يؤمن بالنبي محمد – صلى الله عليه وآله وسلم – لا بد أن يعظِّم هذا الحجر الذي حملته يداه.
بكاء النبي عند الحجر الأسود
وذكرت أنه عن سيدنا ابن عمر رضي الله عنهما قال: «اسْتَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْحَجَرَ، ثُمَّ وَضَعَ شَفَتَيْهِ عَلَيْهِ يَبْكِي طَوِيلًا، ثُمَّ الْتَفَتَ فَإِذَا هُوَ بِعُمَرَ يَبْكِي، فَقَالَ: يَا عُمَرُ، هَا هُنَا تُسْكَبُ الْعَبَرَاتُ» [رواه ابن ماجه، ٢٩٤٥، وفي إسناده ضعف، ورواه الحاكم في المستدرك، وصحح إسناده].
لم يبكِ النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – خوفًا من الحجر، ولا طلبًا منه، بكى لأنه كان يعلم عمق المعنى العقَدي لهذا الحجر، بكى لأنه تذكر خطايا البشر التي اسودّ بها الحجر، بكى ليُعلم أمته أن هذا المكان هو موضع العبرات، وأن جوهر العبادة عند الحجر هو خشوع القلب، لا مجرد استلام جاف، ثم بكى عمر معه، ولم يستحِ من دموعه أمام الناس؛ تأسيًا بنبيِّه.
“دخل أبو طاهر سليمان بن أبي سعيد الحسن القرمطي مكة في شهر ذي الحجة، سنة سبع عشرة وثلاث مئة (٣١٧هـ -٩٣٠م)، وكان حضر للحج نيابة عن الخليفة العباسي، ففاجأ الناس بأن دخل المسجد الحرام يوم التروية، ومعه تسع مئة رجل من أصحابه، وبيده سيف مسلول، امتلأ المسجد الحرام بجثث القتلى، وامتلأ بهم بئر زمزم، قيل: بلغ عدد القتلى ألفًا وسبع مئة شخص، وقيل ثلاثة عشر ألفًا.
ثم ضرب القرمطي الحجر الأسود بدبوس فانكسر، وقال: “أنتم تقولون: من دخل هذا البيت كان آمنًا، فأين الأمن وقد فعلت ما فعلت؟! ثم قلع الحجر الأسود من مكانه، وحمله إلى هجر (في الأحساء حاليًا)، قال ابن فهد: “هلك تحت الحجر أربعون جملًا”.
لما بلغ الخبر عبد الله المهدي (الخليفة الفاطمي)، كتب إلى القرمطي رسالة قال فيها: “فلعنك الله، ثم لعنك الله، ثم لعنك، فأقام الحجر عند القرامطة اثنتين وعشرين سنة كاملة، ظل الحُجاج يأتون إلى مكة، يرون مكان الحجر فارغًا، فيبكون، كانت الكعبة بلا حجرِها.
ثم في سنة تسع وثلاثين وثلاث مئة (٣٣٩هـ -٩٥٠م)، أعاده سنبر بن الحسن القرمطي، فلما وصل الحجر إلى مكة، نظر الناس إليه فتبينوه، وأقبلوا عليه يقبلونه، ويحمدون الله تعالى، لكنه عاد وقد تكسر إلى قطع؛ فجُمعت في إطار فضي هو ما نراه اليوم” [أعلام الحجاز، محمد علي مغربي، دار تهامة، الطبعة الأولى، ١٤٠٤هـ، (١/ ٨٠ وما بعدها) بتصرف].
محاولات تكسير الحجر الأسود عبر التاريخ
سنة ٣٦٣هـ (٩٧٣م): ذكر ابن فهد القرشي: شوهد رجل عليه ملابس بالية، فضرب الركن بمعول ضربة شديدة، فابتدره رجل فطعنه بخنجر، فإذا هو رجل رومي، فأحرق بالنار [أعلام الحجاز ١/ ٨٧-٨٨].
سنة ٤١٤هـ (١٠٢٣م): ذكر ابن الأثير: جاء رجل أحمر اللون أشقر الشعر، وبيده دبوس، فضرب وجه الحجر ثلاث ضربات، فتقشر وجه الحجر، وسقطت منه شظايا صغيرة، صاح: “إلى متى يعبد هذا الحجر الأسود؟ لا محمد ولا عليٌّ يمنعني”، فقُتل وأحرق [المصدر السابق، ١/ ٨٨-٨٩].
حوالي سنة ٩٩٠هـ (١٥٨٢م): جاء في “منائح الكرم”: جاء رجل أعجمي بدبوس فضرب الحجر الأسود، فقتله الأمير ناصر جاوش [المصدر السابق، ١/ ٨٩].
سنة ١٣٥١هـ (١٩٣٢م): أورد الشيخ باسلامة: جاء رجل فارسي من بلاد الأفغان، فاقتلع قطعة من الحجر الأسود، وسرق قطعة من ستارة الكعبة، فشعر به حرس المسجد الحرام فاعتقلوه ثم أُعدِم [المصدر السابق، ١/ ٨٩-٩٠].
إصلاح الملك عبد العزيز، وعودة الحجر إلى مكانته
لما كان يوم ٢٨ ربيع الثاني من عام ١٣٥١هـ، حضر الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود من مصيفه بالطائف قبل توجهه إلى الرياض، ومعه رئيس هيئة القضاء الشرعي الشيخ عبد الله بن حسن آل الشيخ، وحضر كذلك الشيخ عبد الله الشيبي، وبعض الأعيان، وأحضر مدير الشرطة العام تلك القطعة التي اقتلعها الفارسي، وعمل الأخصائيون مركبًا كيمياويًا مضافًا إليه المسك والعنبر، ثم وضع الملك عبد العزيز بيده قطعة الحجر في محلها، وأثبتها الأخصائيون إثباتًا محكمًا [المصدر السابق، ١/ ٩٠].
الحجر الأسود
وأكدت الأوقاف أن الحجر الأسود ليس مجرد حجر، هو يمين الله الذي يصافح به عباده، هو جزء من الجنة هبط ليذكرنا بأصلنا، هو شفيع يوم القيامة لمن استلمه بحق، سرقه القرامطة، فضربه الفجار، وحاول أعداء الله تكسيره أكثر من مرة، لكنه عاد إلى مكانته، وازداد الايمان إيمانًا في قلوب المسلمين، كل قطرة دم سالت على أرض مكة من أجله كانت دليلًا على أن هذه الأمة تعرف قدر هذا الحجر وحرمته، واليوم لا يزال الحجاج يفِدون إليه من كل فج عميق، يستلمونه ويقبلونه، ويبكون عنده كما بكى حضرة النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – وصحبه من بعده.







