لم تعد أزمة الأسرة المصرية مجرد خلافات عابرة تُحل داخل الجدران المغلقة، بل تحولت في كثير من الأحيان إلى فوضى ممتدة تُهدد استقرار المجتمع بأكمله. من هنا، لا يبدو مشروع قانون الأسرة الجديد مجرد تعديل تشريعي، بل إعلان صريح بأن زمن التساهل قد انتهى، وأن العبث بمصير الأطفال وحقوق النساء لن يمر دون حساب قاسٍ.
أخطر ما يواجهه المجتمع اليوم هو استمرار ظاهرة زواج القُصّر، تلك الجريمة المقنّعة برداء “الستر” و“العادات”. الحقيقة المؤلمة أن هذا النوع من الزواج ليس سوى إتجار مبطن بالطفولة، تُدفع فيه الفتيات إلى حياة لا يفهمنها، ويُحرمن من أبسط حقوقهن في التعليم والنمو الطبيعي. وهنا، فإن النص على الحبس والغرامة ليس كافيًا ما لم يُطبق بلا استثناء أو وساطة. كل ولي أمر، وكل مأذون، وكل طرف شارك أو تستر على هذه الجريمة، يجب أن يُحاسب باعتباره شريكًا في تدمير مستقبل إنسانة كاملة.
أما الطلاق غير الموثق، فهو باب واسع للتحايل، ومستنقع قانوني تُلقى فيه النساء بلا حقوق. رجال ينهون العلاقة شفهيًا ويتركون الزوجة معلّقة، لا هي زوجة ولا مطلقة، بلا نفقة ولا حماية قانونية. هذه ليست مجرد مخالفة إجرائية، بل جريمة اجتماعية مكتملة الأركان. لذلك، فإن تجريم عدم توثيق الطلاق يجب أن يُقابل بعقوبات مشددة وفورية، مع آليات رقابة إلكترونية تُلزم بالتوثيق خلال مدد محددة، وإلا تحوّل المخالف إلى متهم يُلاحق قانونًا.
وفي قلب هذه المنظومة، يقف المأذون، الذي تحوّل في بعض الحالات من “حارس شرعي” إلى “ثغرة قانونية”. هناك من استغل غياب الرقابة لتوثيق زيجات مخالفة، أو غضّ الطرف عن أعمار غير قانونية، أو بيانات مزورة. هذا العبث يجب أن يُقابل بعقوبات رادعة تصل إلى الشطب النهائي والسجن، لا مجرد إنذارات إدارية. فالمأذون الذي يعبث بالقانون لا يقل خطرًا عن من يخالفه.
ولا تقل خطورة عن ذلك ظاهرة الامتناع عن تسليم الطفل بعد انتهاء فترة الاستضافة، والتي تحولت إلى وسيلة ابتزاز وانتقام بين الأزواج المنفصلين. هنا، لا مجال للوساطات أو “الحلول الودية” التي تُهدر هيبة القانون. الطفل ليس أداة ضغط، وأي طرف يحتجزه خارج الإطار القانوني يجب أن يواجه عقوبة فورية تصل إلى الحبس، مع تنفيذ جبري حاسم يعيد للطفل استقراره النفسي قبل أي اعتبار آخر.
لكن الصرامة الحقيقية لا تكتمل بالنصوص وحدها، بل تحتاج إلى قبضة تنفيذية لا ترتعش. نحن بحاجة إلى منظومة رقابية رقمية تربط بين المحاكم، ومكاتب المأذونين، وجهات إنفاذ القانون، بحيث يُصبح التلاعب مستحيلًا، لا مجرد مخاطرة. كما أن تسريع إجراءات التقاضي في قضايا الأسرة لم يعد خيارًا، لأن العدالة البطيئة في هذا النوع من القضايا هي ظلم مضاعف.
إن مشروع قانون الأسرة، بصورته التي تتجه نحو الردع الصريح، يضع المجتمع أمام اختبار حقيقي: إما أن نقبل بدولة القانون التي تحمي الضعيف وتردع المتلاعب، أو نستمر في دوامة الفوضى التي يدفع ثمنها الأطفال أولًا وأخيرًا. الرسالة يجب أن تكون واضحة: لا زواج خارج القانون، لا طلاق في الظل، لا عبث بحقوق طفل، ولا حصانة لمأذون متجاوز.
القانون هنا لا يكتب سطورًا على الورق، بل يرسم حدودًا فاصلة بين مجتمع منضبط وآخر ينهار ببطء. ومن يختار كسر هذه الحدود، عليه أن يتحمل العواقب كاملة… دون استثناء، ودون رحمة.







