حسين محمود يكتب: حين تتحول الشاشة إلى جريمة
قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات لم يترك ثغرة يمكن أن ينفذ منها المتهمون للهروب، فجعل من “المنع من السفر” إجراءً حاسمًا يُطبق فور توافر الشبهة الجدية، وليس بعد وقوع الكارثة. الفلسفة هنا واضحة: الوقاية قبل الهروب، والسيطرة قبل ضياع الأدلة.
أولًا، يُمنع من السفر كل من يثبت تورطه في اختراق الأنظمة المعلوماتية أو الحسابات الشخصية، خاصة إذا ترتب على ذلك الاستيلاء على بيانات أو أموال. هذه الجرائم لم تعد مجرد انتهاك تقني، بل اعتداء مباشر على الأمن الاقتصادي، ما يستوجب إبقاء المتهم داخل البلاد لحين تفكيك خيوط الجريمة بالكامل.
ثانيًا، تشمل قرارات المنع المتهمين في قضايا الاحتيال الإلكتروني، سواء عبر إنشاء منصات وهمية، أو انتحال صفة جهات رسمية، أو استخدام روابط خبيثة للإيقاع بالضحايا. هنا لا يُنظر إلى الجريمة كواقعة فردية، بل كنشاط منظم قد يمتد عبر الحدود، وهو ما يفرض التحرك الفوري لمنع فرار العناصر المتورطة.
ثالثًا، يمتد المنع من السفر إلى مرتكبي جرائم الابتزاز والتشهير الإلكتروني، خاصة عند استخدام صور أو بيانات شخصية للضغط على الضحايا. هذه الجرائم تحمل أبعادًا إنسانية خطيرة، والقانون يتعامل معها بمنتهى الحسم، لضمان عدم إفلات الجاني أو استمراره في تهديد الضحية.
رابعًا، يدخل ضمن الحالات أيضًا كل من يشارك في نشر أو ترويج محتوى يهدد الأمن العام أو يحرض على الفوضى عبر المنصات الرقمية. في هذه الحالة، لا يُنظر إلى الفعل كحرية رأي، بل كجريمة مكتملة الأركان إذا ثبت تعمد الإضرار بالمصلحة العامة أو نشر معلومات كاذبة من شأنها إثارة البلبلة.
خامسًا، تشمل الإجراءات المتورطين في إدارة شبكات إلكترونية منظمة تعمل على سرقة البيانات أو الاتجار بها أو اختراق الأجهزة، حيث يتم التعامل معهم ككيانات إجرامية متكاملة، ويكون المنع من السفر جزءًا من خطة أوسع لتفكيك هذه الشبكات.
ولا يتوقف الأمر عند إصدار القرار فقط، بل يُنفذ بشكل فوري عبر إدراج المتهم على قوائم المنع وترقب الوصول، مع اتخاذ إجراءات موازية مثل التحفظ على الأجهزة، تتبع النشاط الرقمي، وتجميد الأموال المرتبطة بالجريمة. وأي محاولة للتهرب أو السفر بطرق غير مشروعة تُعد جريمة إضافية تُضاعف من خطورة الموقف القانوني.
الإنترنت لم يعد مساحة بلا رقابة، ومن يظن أن بإمكانه ارتكاب الجريمة ثم الهروب خارج الحدود يعيش وهمًا خطيرًا. القانون أصبح أسرع، وأدوات الملاحقة أكثر تطورًا، وقرار المنع من السفر بات خط الدفاع الأول لإحكام السيطرة على الجريمة قبل أن تفلت من قبضة العدالة.







