عاجلمقالات

حسين محمود يكتب: عدالة لا تُخدع وسقوط مدوٍ لتجار الادعاءات

لم تعد ساحات العدالة تحتمل العبث، ولم يعد الكذب مجرد رواية يمكن تمريرها عبر تعاطف عابر أو ضجيج مواقع التواصل. نحن أمام مرحلة فارقة، تُدار فيها الحقيقة بالأدلة، لا بالأهواء، وتُحسم فيها القضايا بما يُثبت، لا بما يُقال. فحين تنطق الكاميرات، تصمت الأكاذيب، وحين تتحرك الجهات المعنية، تتهاوى كل محاولات التضليل مهما بدت مُحكمة.

واقعة اتهام ثلاث فتيات لشاب بالتحرش، والتي أطاحت بها كاميرات المراقبة، ليست فقط حادثة كذب مكشوف، بل جرس إنذار مدوٍ يكشف حجم الخطر الذي تمثله الادعاءات الباطلة على المجتمع. فالأمر لم يعد متعلقًا بشخص واحد كاد أن يُظلم، بل بمنظومة قيم كاملة كادت أن تهتز تحت وطأة اتهام مُلفق. إن الاتهام في قضايا الشرف تحديدًا لا يُعد مسألة عادية، بل قنبلة اجتماعية قد تُفجر حياة إنسان بالكامل، حتى لو ثبتت براءته لاحقًا.

الأخطر من ذلك، أن بعض هذه الادعاءات يُبنى على يقين زائف بأن “الصوت الأعلى هو الأقوى”، وأن التعاطف المجتمعي كفيل بإدانة أي متهم قبل التحقيق. وهنا تكمن الكارثة: تحويل الرأي العام إلى أداة ضغط، واستغلال قضايا حساسة لتحقيق مكاسب شخصية أو تصفية حسابات، دون أدنى اعتبار لحجم الدمار الذي قد يُخلفه هذا السلوك.

أما واقعة محاولة ابتزاز ضابط لتغيير تحرياته، فهي تمثل مستوى أكثر انحدارًا من الانحراف، حيث لم يعد الهدف مجرد اتهام كاذب، بل السعي لتزييف العدالة ذاتها. إنها جريمة مركبة، تضرب في صميم الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، وتكشف عن عقول لا ترى في القانون رادعًا، بل عقبة يجب الالتفاف عليها بأي وسيلة، حتى لو كان الثمن هو انهيار مبدأ سيادة القانون.

وفي هذا المشهد، يبرز دور الأدلة كحائط صد لا يمكن اختراقه. فالكاميرات لا تُجامل، والتقنيات الحديثة لا تتعاطف، بل تسجل الحقيقة كما هي، دون تحريف أو انتقائية. وهنا تتجلى قوة الدولة الحديثة، التي لم تعد تعتمد فقط على الشهادات، بل على منظومة متكاملة من التوثيق والتحليل، تجعل من الكذب مغامرة خاسرة.

لكن الحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح وحزم:

الادعاء الكاذب ليس “تصرفًا فرديًا طائشًا”، بل جريمة مكتملة الأركان، يجب أن تُواجه بعقوبات رادعة، توازي حجم الضرر الذي تُخلفه. فكما يُعاقب المتحرش، يجب أن يُعاقب من يدّعي كذبًا، لأن الاثنين يشتركان في جريمة واحدة: الاعتداء على الحقيقة.

إن حماية المجتمع لا تتحقق فقط بالوقوف مع الضحايا، بل أيضًا بحماية الأبرياء من أن يصبحوا ضحايا لاتهامات زائفة. العدالة الحقيقية لا تنحاز، ولا تتأثر بالضجيج، بل تقف دائمًا في صف الدليل.

وفي النهاية، نحن أمام معادلة واضحة لا تقبل التأويل:

من يختلق الاتهام يواجه القانون… ومن يملك الدليل يملك الحقيقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى