
لم يكن في حسبانها أنها ستتزوج 3 مرات، وتحصل على لقب مطلقة قبل أن تنهي عقدها الثالث من عمرها. مع ضغوط الأهل قبلت أميرة محمود «اسم مستعار»، أن تتزوج للمرة الأولى من ابن خالتها قبل أن تصل عامها العشرين، فقد تزوج أبناء إخوالها، وجيرانها قبل أن يصلوا لهذا السن، ولم يتبقى مما في عمرها دون زواج سواها، والقليل من البنات اللاتي ينتظرن نصيبهن «على أحر من الجمر»، حتى لا يقعن تحت مقصلة لقب «عانس» أو «فاتها القطر».
أمام هذه الضغوط المزمنة، رضخت الفتاة العشرينية لرغبة والدتها وشقيقها الأكبر، وقبلت أن تتزوج ابن خالتها، وهي في العشرين من عمرها، ولم تكد تمر سوى أيام أيام تعد على أصابع اليد، ونشبت الخلافات بينهما دفعتها للعودة إلى منزل والدها. وكما جرت العادة تدخل الأهل للصلح وإعادتها إلى منزل زوجها، خشية «القيل والقال»، خاصة وأنه لم يمر على زواجها سوى أسابيع معدودة. وبعد عودتها تصاعدت الخلافات بينهما ووصلت حد «الضرب والإهانة»، لينتهي بها الأمر إلى لقب مطلقة للمرة الأول، وهى في بداية عقهدا الثاني.
حال «أميرة» مثل مئات الآلاف غيرها، ووفق تقارير الجهاز المركزي للتعبئة العامة والاحصاء، فيما يخص ظاهرة الطلاق المبكر بين حديثي الزواج، سجلت الفئات العمرية الصغيرة نسبًا ملحوظة من حالات الطلاق، واحتلت الفئة العمرية من 25 إلى 30 عامًا المركز الأول بين المطلقات 17.6%، بينما جاءت الفئة من 35 إلى 40 عامًا في صدارة المطلقين 18.2%.
وتؤكد هذه الأرقام أن الطلاق لم يعد مقصورًا على الزيجات طويلة الأمد، بل أصبح يمس حديثي الزواج بشكل متزايد، خاصة في المناطق الحضرية التي سجلت 57.8% من حالات الطلاق خلال 2024، بينما شكل الريف 42.2% فقط، ما يعكس تعرض الزيجات الحديثة لضغوط اجتماعية واقتصادية ونفسية في سنواتها الأولى، وتُرجح هذه المؤشرات أن ضعف التوافق، وغياب الخبرة الحياتية، وارتفاع الأعباء المعيشية، تمثل عوامل رئيسية وراء تفكك بعض الزيجات قبل أن تكتمل سنواتها الأولى، ما يستدعي تعزيز برامج التأهيل الأسري، والدعم النفسي للمقبلين على الزواج.
«الناس كلت وشنا» قادت أميرة للطلاق 3 مرات
نعود مرة أخرى إلى رحلة «أميرة » بعد الطلاق حتى الزيجة الثانية، لقب مطلقة وهي في بداية عقدها الثاني، ضاعف مكن الضغوط عليها من أجل الزواج مرة أخرى، خاصة وأنه يترامى إلى مسامعها «انتي مطلقة.. ماينفعش تقعدي كدة.. لازم تتجوزي عشان الناس ماتاكلش وشنا».
وعادت أميرة مرى أخرى إلى المربع الأول، واضطرت أمام هذه الضغوط إلى الرضوخ والزواج مرة ثانية، وبالفعل تزوجت أميرة للمرة الثانية وهي مغصوبة من أهلها، ومنذ يومها الأول دبت الخلافات بينهما، ومرت الأسابيع سريعاُ ووجدت نفسها مطلقة للمرة الثانية، ولكن هذه المرة تعول «طفل»:«ودي أحسن وأجمل حاجة حصلتلي، وهعيش بيه وليه».
وبالفعل عقدت «أميرة» العزم على طي صفحة الزواج، وأن تهب نفسها لتربية ابنها، لكن هذه الإرادة اصطدمت بوفاة والدتها، ووجدت نفسها وجها لوجه أمام أخيها الأكبر، الذي رفض هذه الفكرة وأصر على زواجها بدعوى «حماية لها ولطفلها»، ومارس عليها ضغوطًا تفوق قدرتها على التحمل، وفي النهاية رضخت للزواج، ولكن قبل مرور عام على هذه الزيجة، حصلت للمرة الثالثة على لقب مطلقة: «كنت بهرب من كلام الناس كل مرة، الأول عشان مابقاش عانس، وبعدين عشان مبقاش مطلقة، والكل يخاف على بيته مني، وطبعا كلنا عارفين نظرة المجتمع خاصة لو ريفي للمطلقة، بس في الآخر بقيت مطلقة 3 مرات، وبرضه ما سلمتش من كلام الناس».
كيف تحول «الستر» إلى سجن نفسي لـ «منال»؟
بين جدران شقتها الهادئة في قلب القاهرة، تجلس منال عزت «اسم مستعار» تفتش في بقايا حلم لم يكتمل، تراجع شريط ذكريات بدأ بضغط «العمر بيجري» وانتهى بلقب مطلقة. «منال» المعلمة التي لم تتجاوز التاسعة والعشرين من عمرها، تحكي قصتها لا باعتبارها ضحية لزواج فاشل فحسب، بل ضحية لمجتمع يرى في « الستر» سباقاً مع الزمن وفي «الخُلع» وصمة عار لا تُمحى.
كانت منال الابنة الوحيدة بين إخوة ذكور استقروا في حياتهم، بينما بقيت هي مع أمها، لتصب عليها القلق صبا. «عايزة أطمن عليكي قبل ما أموت».. هذه الجملة هي المحرك الأساسي لكل ما حدث، وعندما طرق الباب «عريس الخليج» بدأ الكل يضغط لقبول «العريس الغني».
«زواج صالونات، إمكانياته مادية كويسة، وجاهز من كله زي مابيقولوا».. هذه من وجهة نظر منال مواصفات يُعمي بريقها الأعين عن عيوبه الجوهرية. وخلال وقت قياسي تم الزواج، شهران للتعارف والخطوبة والزواج، وشهران قضاهما العروسان معا قبل أن يعود إلى عمله في إحدى دول الخليج.
ومع عودته في أول أجازة، بدأت الأقنعة في السقوط، واكتشفت منال أنها لم تتزوج رجلاً، بل تزوجت لغزاً «كان لا يتصل بي نهائياً في سفره، وكأنني لم أدخل حياته منذ أشهر»، ولم تتوقف الصدمة عند جفاء المشاعر، بل امتدت لتكتشف أنه يعاني من اضطراب نفسي «توحد غير مشخص بدقة»، وسلوكيات غير سوية في العلاقة الزوجية.
ضرب الزوج بالاتفاقات عرض الحائط، ورفض العيش في شقته بالقاهرة، وانعزل في منزل بأحد الأقاليم بمفرده، تاركاً إياها في مهب الريح. وهكذا تحول الرجل الذي وُصف بأنه «لقطة» إلى شخص دخل في طور «المجذوب»، رافضاً تدخل أي وسيط أو حكيم، بينما وقف أهله صامتين كأن الأمر لا يعنيهم.
رغم الجفاء، والقطيعة التي استمرت لأكثر من سنتين، ظلت منال تقاوم فكرة النهاية، كانت والدتها، رغم كل ما تراه من معاناة، ترفض لجوء ابنتها للخلع، متمسكة بأمل، كانت تخاف من لقب «مطلقة» أكثر من خوفها على ابنتها من زوج «مجذوب».
في النهاية.. لا مفر من المواجهة، حصلت منال على حكم قضائي ينهي هذه المأساة، لكنها خرجت لتجد نفسها أمام معركة أخرى« وقتها خرجت بلقب أخر لم يكن أفضل من عانس وهو مطلقة، بما تحمله الكلمة من وصمة مجتمعية مرفوضة، ونظرات كلها تجريح ولوم».
هند فؤاد| نتاج منظومة معقدة من الضغوط .. والتأهيل قبل الزواج «خط الدفاع الأول»
«الطلاق في سنوات الزواج الأولى لا يمكن فصله عن التحولات العميقة التي طرأت على بنية الأسرة والقيم الاجتماعية وأنماط التنشئة»، هذا بحسب حديث دكتورة هند فؤاد السيد أستاذ علم الاجتماع، المساعد بالمركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية.
ويرتبط أحد أبرز أسباب الطلاق المبكر كما نوهت فؤاد بضعف الاستعداد النفسي والنضج العاطفي للزواج، «عددًا غير قليل من الفتيات يدخلن الحياة الزوجية بدوافع لا تقوم على الاختيار الواعي، مثل الخوف من العنوسة، أو الرغبة في الهروب من ضغوط أسرية، أو الاستجابة لإلحاح اجتماعي، وهو ما يؤدي إلى صدمة واقعية بعد الزواج عند الاصطدام بحجم المسؤوليات».
التدخل المفرط للأسرة الممتدة يمثل عامل ضغط أساسي على الزيجات الحديثة، خاصة في عامها الأول، فتتحول الخلافات البسيطة إلى أزمات معقدة نتيجة فرض الآراء أو المقارنات أو التدخل في تفاصيل الحياة اليومية، وهو ما يضعف استقلالية القرار لدى الزوجين ويهدد استقرار العلاقة، وهذا كما قالت استاذ علم الاجتماع.
وعند الحديث عن الأبعاد الاقتصادية، أشارت الدكتورة هند أن الضغوط المالية أصبحت من أكثر العوامل المؤثرة في استقرار الزواج، في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وصعوبة توفير الاحتياجات الأساسية، بجانب أن غياب الاتفاق المسبق حول المسؤوليات المالية أو تعرض الفتاة لعدم الأمان الاقتصادي داخل الزواج يدفعها إلى اتخاذ قرار الانفصال في وقت مبكر.
كما توقفت أستاذ علم الاجتماع عند قضية العنف الزوجي، معتبرة أن العنف النفسي أو اللفظي أو الجسدي يمثل سببًا مباشرًا وغير قابل للتهاون في الطلاق المبكر، حيث تفضّل كثير من الفتيات إنهاء العلاقة سريعًا حفاظًا على كرامتهن وسلامتهن النفسية، قبل أن تتفاقم دوائر الإساءة.
وفي سياق متصل، لفتت فؤاد إلى أن غياب الحوار وضعف مهارات التواصل بين الزوجين يسهمان في تفجير الخلافات، موضحة أن عدم القدرة على التعبير عن المشاعر أو إدارة النزاعات بشكل ناضج يحوّل المشكلات اليومية إلى أزمات وجودية تهدد كيان الأسرة.
أما عن تأثير وسائل التواصل الاجتماعي، فترى استاذ علم الاجتماع أن المقارنات المستمرة بين الحياة الزوجية الواقعية وما يُعرض على المنصات الرقمية تولّد مشاعر عدم الرضا والشك، فضلًا عن أن سوء استخدام التكنولوجيا قد يفتح أبوابًا لصراعات جديدة لم تكن موجودة في السابق.
والكثيرًا من الفتيات بحسب حديث دكتورة هند يدخلن الزواج دون تلقي أي دعم إرشادي أو تأهيل اجتماعي أو نفسي، في ظل غياب ثقافة الاستشارات الأسرية في بعض البيئات، وهو ما يجعلهن أكثر هشاشة أمام الأزمات الأولى.
وعن سبل المواجهة، لخصتها الاستاذ المساعد بالمركز القومي للبحوث في التوعية والتأهيل قبل الزواج، فهما يمثلان حجر الزاوية في الحد من الطلاق المبكر، مؤكدة أن الدورات الإلزامية التي تركز على مهارات التواصل وحل النزاعات وتقديم صورة واقعية عن الزواج أثبتت نجاحها في دول عديدة، بشرط أن تكون منظمة ومستدامة وذات محتوى علمي موحد.
وفيما يخص الدعم النفسي، تؤكد أن تفعيل دور الإرشاد الأسري من خلال مراكز مجانية أو منخفضة التكلفة يمكن أن يوفر بديلًا صحيًا للطلاق السريع، خاصة في الأزمات الأولى.
وتربط أستاذ علم الاجتماع بين تمكين الفتيات اقتصاديًا وبين قدرتهم على اتخاذ قرارات أكثر توازنًا، معتبرة أن الاستقلال المادي يقلل من الضغوط ويحد من الدخول في زيجات غير متكافئة أو الاستمرار في علاقات مؤذية.
وفيما يتعلق بالعنف الأسري، ترى أن المواجهة تتطلب توازيًا بين التوعية المجتمعية وتفعيل القوانين الرادعة، إلى جانب توفير قنوات دعم نفسي وقانوني آمنة للفتيات.
ولا تغفل الدكتورة هند فؤاد دور الإعلام، معتبرة أن تبني خطاب إعلامي مسؤول يعرض صورة واقعية للحياة الزوجية، بتحدياتها قبل نجاحاتها، يسهم في تصحيح المفاهيم المغلوطة لدى الشباب والفتيات.
وتختتم حديثها بالتأكيد على أن العام الأول من الزواج هو الأكثر هشاشة، ما يستدعي برامج دعم ومتابعة للأزواج الجدد، سواء من خلال جلسات إرشادية أو مجموعات دعم اجتماعي، قائلة «الطلاق المبكر بين الفتيات ليس قرارًا فرديًا معزولًا، بل نتاج منظومة معقدة من الضغوط الاجتماعية والثقافية والاقتصادية».
إيمان عبدالله: عبء ثقيل تتحمله الفتاة قبل الزواج وبعده
فيما يتعلق بوصمة «العنوسة» أوضحت دكتورة إيمان عبدالله، استشاري أسري، أن هذه الوصمة لم تعد مجرد توصيف اجتماعي، بل تحولت إلى عبء نفسي ثقيل تتحمله الفتاة قبل الزواج وبعده، فالفتاة تُحاسَب اجتماعيًا إذا تأخر زواجها، وإذا انفصلت لاحقًا تُواجه نظرة أكثر قسوة، وكأن قيمتها الإنسانية مرهونة بوضعها الاجتماعي.
«بعض الأسر تمارس ضغطًا نفسيًا غير مباشر على الفتاة تحت مسمى «كلام الناس»، ما يدفعها أحيانًا للتنازل عن معاييرها في اختيار شريك الحياة»، هذا مالفتت إليه عبدالله على صعيد الضغوط الأسرية، ما يجعل الزواج في هذه الحالة لا يكون نابعًا من رغبة حقيقية، بقدر ما يكون محاولة للهروب من الوصم أو من الشعور المستمر بالذنب تجاه الأسرة.
وفيما يخص الجانب العاطفي، أوضحت استشاري العلاقات الأسرية أن نقص العاطفة يمثل عاملًا أساسيًا في تشكيل قرارات الفتيات، خاصة لدى من عشن طفولة تفتقر إلى الأمان النفسي، مضيفة أن التعرض للعنف الأسري، أو غياب أحد الوالدين، أو مشاهدة نماذج زواج فاشلة، يترك أثرًا عميقًا يدفع الفتاة للبحث عن الزواج باعتباره تعويضًا نفسيًا أو مخرجًا اجتماعيًا.
ومن زاوية اجتماعية أوسع، فإن وصمة العنوسة كما وصفتها دكتورة إيمان هي نتاج موروث ثقافي قديم يربط اكتمال دور المرأة بالزواج والأمومة، مؤكدة أن هذا التصور ما زال حاضرًا رغم ارتفاع وعي الفتيات وسعيهن لتحقيق الذات والاستقلال المادي، فال كثيرًا من الفتيات يعشن صراعًا بين طموحاتهن الشخصية ومعايير اجتماعية تقليدية لا تزال تفرض نفسها بقوة.
وفي هذا السياق، لفتت إلى الدور المتزايد لوسائل التواصل الاجتماعي في تكريس هذه الضغوط، حيث تخلق منصات التواصل حالة من المقارنة المستمرة وتربط النجاح الاجتماعي بصورة مثالية للزواج، قائلة «مثل هذا المحتوى يعمّق شعور الفتاة بالتأخر، ويرفع من مستويات القلق والتوتر، ما يدفعها إلى قرارات مصيرية غير مدروسة».
وفيما يتعلق بالزواج تحت الضغط، أكدت دكتورة إيمان أن اتخاذ القرار بدافع الحاجة العاطفية أو الخوف من نظرة المجتمع يخلق تحديات كبيرة داخل العلاقة الزوجية، وأضافت أن غياب التوافق الحقيقي، إلى جانب تدخل الأسرة، يجعل الزواج عبئًا نفسيًا بدلًا من كونه علاقة داعمة، خاصة مع ضغط عامل السن والخوف من مرور الوقت.
« الفتيات اليوم يواجهن ضغوطًا مركبة نفسية واجتماعية، ولابد دعمهن وتمكينهن من اتخاذ قرارات واعية، بعيدًا عن الخوف والوصم، بما يحفظ استقرارهن النفسي ويؤسس لعلاقات أكثر توازنًا وصحة» هذا ما اختتمت به عبد الله حديثها عن وصمة «العنوسة».
إيمان العربي: الهروب من لقب «عانس» يصنع زيجات هشّة.. ومحاكم الأسرة تكشف الثمن الحقيقي
لم يعد وصف «عانس» مجرد كلمة عابرة في الخطاب الاجتماعي، بل تحوّل، وفق ما أوضحته المستشارة إيمان العربي المتخصصة في قضايا الأحوال الشخصية وعضو اتحاد المحامين العرب، إلى أداة ضغط نفسي واجتماعي متواصلة تُمارَس على الفتيات، تبدأ بتلميحات خفيفة وتنتهي أحيانًا بقرارات مصيرية تُتخذ على عجل، دون حساب كافٍ للعواقب القانونية أو الإنسانية.
«الضغط الذي تمارسه الأسرة والمحيط الاجتماعي، يدفع بعض الفتيات إلى التعامل مع الزواج باعتباره وسيلة للهروب من وصمة اجتماعية، لا بوصفه شراكة قائمة على التوافق والمسؤولية» هذا ما ينتج عنه بحسب العربي دخول عدد من الزيجات من باب «الستر» أو «الفرصة الأخيرة»، بينما تكون بذور الانهيار حاضرة منذ البداية.
مستطردة «ومن داخل محاكم الأسرة، تتجسد النتائج الواقعية لهذه الاختيارات، حيث تتكدس القضايا التي بدأت بزواج قيل عنه إنه حل آمن، وانتهت بنزاعات قانونية معقدة كان يمكن تفاديها لو أُتيح للفتاة وقت ومساحة للاختيار الحر».
والمجتمع كما أوضحت عضو اتحاد المحامين العرب في كثير من الأحيان، لا يقيس حياة الفتاة بجودة معيشتها أو استقرارها النفسي، بل بعدد سنوات زواجها، ومع تجاوز سن معين تبدأ المقارنات والضغوط: «الفرص بتقل» و«الزواج أمان»، وهو خطاب يفقد الفتاة قدرتها على الرفض، ويجعل القبول مخاطرة أقل اجتماعيًا من الاستمرار في الانتظار.
«هذا الواقع يخلف نمطًا من الزيجات لا يقوم على التوافق، بل على الخوف من المستقبل، وهو ما ينعكس لاحقًا في شكل نزاعات أسرية وقانونية»، هذا ما أشارت إليه إيمان، مؤكدة أن محاكم الأسرة تعج بنماذج حيّة لهذه التجارب.
«فتاة في منتصف الثلاثينات، تعمل وتتمتع باستقلال فكري، لكنها خضعت لضغط اجتماعي شديد دفعها إلى القبول بزواج غير موثق من رجل وعدها بتوثيق العلاقة لاحقًا، ومع إنكار الزوج للزواج، وجدت الفتاة نفسها بلا سند قانوني، تخوض معركة لإثبات علاقة كان من المفترض أن تكون محمية بالقانون منذ البداية»، هذه إحدى القضايا التي قابلتها إيمان من خلال عملها.
وفي قضية أخرى، أشارت دراسة إيمان العربي إلى فتاة وافقت على الزواج بعد تعارف لم يتجاوز أسابيع، استجابة لإلحاح الأسرة التي رأت في العريس «فرصة لا تعوّض»، وبعد الزواج، ظهرت خلافات جوهرية وسوء معاملة، وعندما لجأت الفتاة إلى القضاء، لم تواجه فقط تعقيدات قانونية، بل اتهامات اجتماعية بالفشل، وكأن المشكلة تكمن في طلبها للأمان لا في القرار المتعجل الذي فُرض عليها.
وتكشف قضايا أخرى، بحسب المحامية، عن زيجات تمت تحت شعار «الستر» رغم وجود فارق عمري كبير أو تفاوت اجتماعي واضح، وهي زيجات غالبًا ما تتحول إلى علاقات غير متكافئة، يشعر فيها أحد الطرفين بالسيطرة والآخر بالضعف، لتنتهي بدعاوى تطليق أو هجر بعد سنوات من المعاناة الصامتة.
وتوقفت إيمان العربي عند حالات قبلت فيها الفتيات الزواج مقابل التنازل عن حقوقهن الشرعية، اعتقادًا بأن الحفاظ على الزواج بأي ثمن أفضل من العودة إلى لقب «عانس»، إلا أن النزاع حين يقع، يكشف أن هذا التنازل لم يحقق استقرارًا، بل حرم الفتاة من أبسط ضمانات الأمان القانوني.
واستنادًا إلى بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء وتقارير محاكم الأسرة، تشير المحامية إلى أن المحاكم تنظر مئات الآلاف من قضايا النزاع الأسري سنويًا، وتشكل قضايا التطليق والخلع والنفقة نسبة كبيرة منها، وتربط دراسات اجتماعية مرتبطة بهذه القضايا بين عدد كبير من الزيجات محل النزاع وبين ضغوط اجتماعية أو فترات تعارف قصيرة، ما يعكس فجوة واضحة بين دوافع الزواج وواقع استمراره.
«الزواج الذي يتم هربًا من ضغط اجتماعي يكون هشًا من الناحية القانونية والنفسية، والرضا الحقيقي لا يتوافر مع الإكراه الأدبي، والتنازل عن الحقوق لا يصنع استقرارًا، وغياب التوثيق يحوّل الزواج من مصدر أمان إلى مخاطرة مفتوحة» هذا ما أكدته العربي من واقع عملها بالمحاماة. وتختتم حديثها بالتأكيد على أن الهروب من لقب «عانس» قد يبدو حلًا سريعًا، لكنه في كثير من الحالات يفتح أبوابًا لأزمات أكثر قسوة.
وليد هندي: «عانس» وصف يسلب الفتاة الحق في اختيار حياتها
«تأخر الزواج لدى الفتيات في مصر يحمل أبعادًا نفسية واجتماعية عميقة، تتجاوز مجرد كونها مسألة شخصية» في هذا السياق، أشار إليه الدكتور وليد هندي، استشاري الصحة النفسية إلى أن النظرة السلبية التي يطلقها المجتمع على من تتأخر في الزواج، مثل وصفها بكلمة «عانس»، تمثل قيدًا نفسيًا واجتماعيًا، يسلب الفتاة الحق في اختيار حياتها وفق قناعاتها ورغباتها، كما أن هذه النظرة تتجسد في عيون الوالدين، وخصوصًا الأم، التي قد تشعر بالحسرة على ابنتها، في وقت لم تحظَ فيه الفرصة للارتباط، ما يزيد من شعور الفتاة بالضغط النفسي.
وفيما يخص الأبعاد الاجتماعية، أشار هندي إلى أن العائلة والمجتمع يضيفان أعباء إضافية من خلال همهمات الأقارب والجيران، والملاحظات المستمرة خلال الأفراح والمناسبات الاجتماعية، والتي تعكس استفسارات غير مباشرة عن سبب تأخر الزواج، ويزداد الضغط عندما يعتقد البعض أن تأخر زواج فتاة معينة قد يؤثر على فرص زواج أخواتها أو أقاربها، أو حين يشترط بعض الأهالي ألا يتم تزويج أحد آخر من العائلة قبل أن تتزوج الفتاة المتأخرة.
وفي السياق النفسي والجسدي، يؤكد هندي أن مرور الوقت يزيد من الحاجة الطبيعية للشعور بالحب والانتماء، وإشباع المشاعر والحنان، وهذا قد يدفع الفتاة في بعض الحالات إلى الإقدام على الزواج بسرعة، دون دراسة كافية للشريك أو للظروف، ما يعرف بـ«الجواز الأعمى» أو «الزواج المتسرع»، ويؤدي هذا غالبًا إلى معطيات ناقصة تؤثر على استقرار الزواج، وترتبط بارتفاع نسب الطلاق المبكر في مصر، والتي تصل إلى نحو 70% من حالات الطلاق خلال السنة الأولى.
بعيدًا عن ذلك، لفت هندي إلى أن بعض الفتيات تتزوج بسرعة استجابةً لرغبات أسرية أو لتحقيق حقوق مالية أو مقتصات مرتبطة بالأسرة، مثل الحصول على شقة الزوجية أو مقتنيات أخرى، ما يزيد من الضغط النفسي ويجعل القرار غير نابع من اختيار حر ومستقل.
وفي هذا الإطار، يرى استشاري الصحة النفسية أن اتخاذ قرارات الزواج تحت ضغط المجتمع أو العائلة غالبًا ما يؤدي إلى نتائج سلبية، حيث يعتقد الفرد أنه يتصرف بحكمة، بينما في الواقع يتخذ القرار تحت تأثير خارجي يحد من قدرته على التفكير الموضوعي.
وفي ضوء كل هذا، يشدد هندي على أن الزواج يجب أن يكون اختيارًا واعيًا مبنيًا على رؤية واضحة وإدراك كامل للظروف النفسية والاجتماعية، بعيدًا عن أي ضغوط أو إكراهات خارجية، لضمان بناء أسرة مستقرة والحد من الظواهر السلبية المرتبطة بالطلاق المبكر وتأثيراته على المجتمع.







